تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) فيه دلالة أنه قد كان منهن من المراودة والدعاء إلى نفسها حين[ في الأصل وم : حيث ] ( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ).
ألا ترى إنه قال في موضع آخر ( قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ) ؟ [ الآية : ٥١ ] وكذلك قالت امرأة العزيز :( فذلكن الذي لمتنني فيه )[ الآية : ٣٢ ] أي كنتن لمتنني فيه أني راودته عن نفسه، وأنتن قد راودتنه عن نفسه، وقول يوسف :( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) أي ذلك الذل والصغار أحب إلي أي آثر عندي وأخير مما يدعونني إليه ؟ وإن كان ما يدعونه إليه تهواه نفسه، وتميل إليه، وتحبه. فأخبر أن السجن أحب إليه أي آثر وأخير في الدين ؛ إذ النفس تكره السجن، وتنفر عنه.
ألا ترى أنه قال :( وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ ) ؟ فهذا يدل على أن ما( قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) إنما أراد به محبة الاختيار والإيثار في الدين لا محبة النفس واختيارها. بل كانت النفس تحب، وتهوى ما يدعونه إليه. دليله قوله :( أصب إليهن وأكن من الجاهلين ).
وليس الدعاء في قوله :( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) كما يقول بعض الناس : إنه إنما وقع في السجن لأنه سأل ربه السجن، فاستجاب[ في الأصل وم : استجيب ] له في ذلك، ولكن الدعاء في قوله :( وإلا تصرف عني كيدهن ) وهو كقول آدم وحواء :( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا )الآية[الأعراف: ٢٣].
ليس الدعاء في قولهما[ في الأصل وم : قوله ] :( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا )[ لأنه إخبار عما كان منهم، إنما الدعاء في قوله :( وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين )[الأعراف: ٢٣] وكذلك قول نوح :( ربي إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر وترحمني أكن من الخاسرين )[هود: ٤٧].
وفي ][ من م، ساقطة من الأصل ] قوله :( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ) دلالة أن عند الله لطفا[ في الأصل وم : لطف ]، لم يكن أعطى يوسف ذلك ؛ إذ لو كان أعطاه لكان كيدهن وشرهن مصروفا [ عنه حين ][ في الأصل وم : عند حيث ] قال :( وإلا تصرفي عني كيدهن أصب إليهن ) ولو كان أعطى ذلك لم يكن لسؤاله ذلك معنى.
فهذا ينقض على المعتزلة قولهم حين[ في الأصل وم : حيث ] قالوا : إن الله قد أعطى كلا قدرة كل طاعة وقوة كل خير والدفع عن كل شر.
وقوله تعالى :( وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ) أي لا أحد يملك صرف كيدهن عني إن[ في الأصل وم : لو ] لم تصرفه أنت. وكذلك قوله :( وإلا تغفر لي وترحمني )[هود: ٤٧] وهو أبلغ في الدعاء من قوله : اللهم اغفر لي وارحمني.
وقوله تعالى :( أصب إليهن ) قال بعضهم : أمل إليهن، وقال بعضهم : لو لم تصرف عني كيدهن لتابعتهن ؛ ويقال : الصبء هو الخروج من الأمر ؛ يقال : كل من خرج من دينه فقد صبأ، وبهذا كان المشركون يسمون النبي ﷺ صابئا، أي خرج مما نحن عليه. وقال أبو بكر الأصم : الأصب هو الأمر المعجب.
وقوله تعالى :( وأكن من الجاهلين ) أي يكن فعلي فعل الجهال لا فعل العلماء والحكماء إن لم تصرف عني كيدهن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى