فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
معنى ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ ظهر لهم، والضمير للعزيز وأصحابه الذين يدبرون الأمر معه ويشيرون عليه، وأما فاعل ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ فقال سيبويه : هو ﴿ليسجننه﴾ أي : ظهر لهم أن يسجنوه. قال المبرد : وهذا غلط لأن الفاعل لا يكون جملة، ولكن الفاعل ما دلّ عليه ﴿بدا﴾ وهو المصدر كما قال الشاعر :
وحق لمن أبو موسى أبوهيوفقه الذي نصب الجبالا
أي وحقّ الحقّ، فحذف الفاعل لدلالة الفعل عليه. وقيل : الفاعل المحذوف هو أي : وظهر لهم رأي لم يكونوا يعرفونه من قبل، وهذا الفاعل حذف [ لدلالته ] ﴿ليسجننه﴾ عليه، واللام في ﴿ليسجننه﴾ جواب قسم محذوف على تقدير القول، أي : ظهر لهم من بعد ما رأوا الآيات قائلين : والله ليسجننه، وقرىء ( لتسجننه ) بالمثناة الفوقية على الخطاب، إما للعزيز ومن معه، أو له وحده على طريق التعظيم، والآيات : قيل : هي القميص وشهادة الشاهد وقطع الأيدي ؛ وقيل : هي البركات التي فتحها الله عليهم بعد وصول يوسف إليهم ولم يجد ذلك فيهم بل كانت امرأته هي الغالبة على رأيه الفاعلة لما يطابق هواها في يوسف، وإنفاذ ما تقدّم منها من الوعيد له بقولها :﴿وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ [ مَا ءامُرُهُ ] * لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّن الصاغرين﴾ قيل : وسبب ظهور هذا الرأي لهم في سجن يوسف أنهم أرادوا ستر القالة، وكتم ما شاع في الناس من قصة امرأة العزيز معه ؛ وقيل : إن العزيز قصد بسجنه الحيلولة بينه وبين امرأته، لما علم أنها قد صارت بمكان من حبه لا تبالي معه بحمل نفسها عليه على أيّ صفة كانت ؛ ومعنى قوله :﴿حتى حِينٍ﴾ إلى مدّة غير معلومة كما قاله أكثر المفسرين، وقيل : إلى انقطاع ما شاع في المدينة. وقال سعيد ابن جبير : إلى سبع سنين، وقيل : إلى خمس، وقيل : إلى ستة أشهر، وقد تقدّم في البقرة الكلام على تفسير الحين. وحتى بمعنى إلى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة قال : سألت ابن عباس عن قوله :﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات﴾ فقال : ما سألني عنها أحد قبلك، من الآيات قد القميص، وأثرها في جسده، وأثر السكين، وقالت امرأة العزيز : إن أنت لم تسجنه ليصدقنه الناس. وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد قال : من الآيات كلام الصبي. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : الآيات حزّهنّ أيديهنّ، وقدّ القميص.
وأقول : إن كان المراد بالآيات : الآيات الدالة على براءته فلا يصح عدّ قطع أيدي النسوة منها، لأنه وقع منهن ذلك لما حصل لهن من الدهشة عند ظهوره لهن مع ما ألبسه الله سبحانه من الجمال، الذي تنقطع عند مشاهدته عرى الصبر، وتضعف عند رؤيته قوى التجلد، وإن كان المراد بالآيات الدالة على أنه قد أعطي من الحسن ما يسلب عقول المبصرين، ويذهب بإدراك الناظرين، فنعم يصح عدّ قطع الأيدي من جملة الآيات، ولكن ليس هذه الآيات هي المرادة هنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : عوقب يوسف ثلاث مرات : أما أوّل مرة فبالحبس لما كان من همّه بها، والثانية لقوله :﴿اذكرني عِندَ رَبّكَ﴾ ﴿فَلَبِثَ فِي السجن بِضْعَ سِنِينَ﴾ عوقب بطول الحبس، والثالثة حيث قال :﴿أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ فاستقبل في وجهه :﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ خازن الملك على طعامه، والآخر ساقيه على شرابه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله :﴿إِنّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ قال : عنباً. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ قال : عبارته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله :﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين﴾ قال : كان إحسانه فيما ذكر لنا أنه كان يعزّي حزينهم، ويداوي مريضهم. ورأوا منه عبادة واجتهاداً فأحبوه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الشعب عن الضحاك قال : كان إحسانه أنه إذا مرض إنسان في السجن قام عليه. وإذا ضاق عليه المكان أوسع له، وإذا احتاج جمع له. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : دعا يوسف لأهل السجن فقال : اللهمّ لا تعمّ عليهم الأخبار، وهوّن عليهم مرّ الأيام.
وأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله :﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ﴾ الآية، قال : كره العبارة لهما فأجابهما بغير جوابهما ليريهما أن عنده علماً، وكان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً معلوماً فأرسل به إليه، فقال يوسف :﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ إلى قوله :﴿يَشْكُرُونَ﴾ فلم يدعه صاحبا الرؤية حتى يعبر لهما، فكره العبارة فقال :﴿يا صاحبي السجن ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ﴾ إلى قوله :﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ قال : فلم يدعاه فعبر لهما. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله :﴿ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس﴾ قال : إن المؤمن ليشكر ما به من نعمة الله، ويشكر ما بالناس من نعم الله، وذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول : يا ربّ شاكر نعمة غير منعم عليه لا يدري، ويا ربّ حامل فقه غير فقيه. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله :﴿ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ﴾ الآية، قال : لما عرف يوسف أن أحدهما مقتول دعاهما إلى حظهما من ربهما، وإلى نصيبهما من آخرتهما. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله :﴿ذلك الدين القيم﴾ قال : العدل، فقال :
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ( ٤١ ) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ( ٤٢ )

تفسير هذه الآية من كتب أخرى