البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
﴿وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي﴾ أي : أجعله خاصتي وخلاصتي، أو أجعله خالصاً لنفسي. قال أولاً :﴿ائتوني به﴾ فقط، فلما تبين له حاله وظهر كماله، قال :﴿ائتوني به أستخلصه لنفسي﴾ رُوي أنه لما أراد أن يخرجه أرسل إليه بخلعة يأتي فيها، وكان بين السجن والبلد : أربعة فراسخ، فقال يوسف : لا أخرج من السجن حتى لا يبقى فيه أحد، فأمر الملك بخروج جميع مَن فيه. فلما خرج من السجن اغتسل وتنظف، ولبس ثياباً جدداً، فلما دخل على الملك، قال : اللهم إني أسألك من خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره. ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية، فقال : ما هذا اللسان ؟. فقال : لسان آبائي. وكان الملك يعرف سبعين لساناً، فكلمه بها، فأجابه بجميعها، فتعجب منه، فقال : أحب أن أسمع رؤياي، فحكاها، ونعت له البقرات والسنابل وأماكنها فأجلسه على السرير، وفوض إليه أمره. وهذا معنى قوله تعالى :﴿فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين﴾ أي : فلما أتوا به وكلمه وشاهد منه الرشد والدعاء، ﴿قال إنك اليوم﴾ عندنا ﴿مكينٌ﴾ أي : في مكانه ومنزلة، ﴿أمين﴾ : مؤتمن على كل شيء، ثم فوض إليه أمر المملكة.
وقيل : توفي قطفير أي : العزيز فنَصَّبه منصبه، وزوجه من زليخا بعد أن شاخت، وافتقرت، فدعا الله تعالى فرد عليها جمالها وشبابها، فوجدها عذراء وولد منها إفراثيم وميشا. ثم قال له الملك : ما ترى نصنع في هذه السنين المخصبة ؟.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : في الآية ثلاث فوائد : الأولى : مدح التأني في الأمور، ولو كانت جلالية ؛ لأنه يدل على كمال العقل والرزانة، وطمأنينة القلب. وذم العجلة ؛ لأنها من خفة العقل والطيش، وعدم الصبر والاحتمال. يؤخذ ذلك من تأني يوسف عليه السلام في السجن بعد طول مدته. وفي الحديث " التَأَنِّي مِن اللَّهِ، والعَجَلَةُ من الشَّيطَانِ " (١).
الثانية : عدم تزكية النفس، ودوام اتهامها، ولو بلغت من التصفية ما بلغت. وقد تقدم في قوله تعالى :﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال بعض الصوفية : وكيف يصلح لعاقل أن يزكي نفسه والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يقول :﴿إنا النفس لأمارة بالسوء﴾، والنفوس ثلاثة : أمارة، ولوامة، ومطمئنة. وزاد بعضهم : اللهامة من قوله تعالى :﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]..
الثالثة : تسلية أهل البلاء، إذا صحبهم الإحسان والتقوى، وبشارتهم بالعز بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والنصر والتمكين في الأرض بعد الاستضعاف والهوان، يؤخذ ذلك من قوله :﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين﴾. وفي ذلك يقول الشاعر :
وقيل : توفي قطفير أي : العزيز فنَصَّبه منصبه، وزوجه من زليخا بعد أن شاخت، وافتقرت، فدعا الله تعالى فرد عليها جمالها وشبابها، فوجدها عذراء وولد منها إفراثيم وميشا. ثم قال له الملك : ما ترى نصنع في هذه السنين المخصبة ؟.
الثانية : عدم تزكية النفس، ودوام اتهامها، ولو بلغت من التصفية ما بلغت. وقد تقدم في قوله تعالى :﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال بعض الصوفية : وكيف يصلح لعاقل أن يزكي نفسه والكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يقول :﴿إنا النفس لأمارة بالسوء﴾، والنفوس ثلاثة : أمارة، ولوامة، ومطمئنة. وزاد بعضهم : اللهامة من قوله تعالى :﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]..
الثالثة : تسلية أهل البلاء، إذا صحبهم الإحسان والتقوى، وبشارتهم بالعز بعد الذل، والغنى بعد الفقر، والنصر والتمكين في الأرض بعد الاستضعاف والهوان، يؤخذ ذلك من قوله :﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين﴾. وفي ذلك يقول الشاعر :
| وكُلُّ عَبْدٍ أَرَادَ الله عِزَّتَه | فَهُو َالعَزِيزُ، وعزُّ اللهِ يغْشَاه |
| قََدْ لاَحَ عِزُّ لَه في الأرْضِ مُنْتَشِرٌ | فَهُو الحَبِيبُ لِمَنْ نَادَاهُ لبّاهُ |
| يا حُسْنَهُ ومَتى قَد طَالَ مَطْلَبُه | تَاجُ البرية والرحمانُ صَفَّاهُ |