جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىَ خَزَآئِنِ الأرْضِ إِنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
يقول جلّ ثناؤه : قال يوسف للملك : اجعلني على خزائن أرضك، وهي جمع خِزانة، والألف واللام دخلتا في الأرض خلفا من الإضافة، كما قال الشاعر.
*** والأحْلامُ غيرُ عَوَازِبِ ***
وهذا من يوسف صلوات الله عليه مسألة منه للملك أن يوليه أمر طعام بلده وخراجها، والقيام بأسباب بلده، ففعل ذلك الملك به فيما بلغني. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : اجْعَلْنِي على خَزَائِنِ الأرْضِ قال : كان لفرعون خزائن غير الطعام، قال : فأسلم سلطانه كله إليه، وجعل القضاء إليه، أمره وقضاؤه نافذ.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شيبة الضبي، في قوله : اجْعَلْنِي على خَزَائِنِ الأَرْضِ قال : على حفظ الطعام.
وقوله :﴿إنّي حَفيظٌ عَلِيمٌ﴾ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله، فقال بعضهم : معنى ذلك : إني حفيظ لما استودعتني عليم بما وليتني. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : إنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ إني حافظ لما استودعتني، عالم بما ولّيتني. قال :: قد فعلت.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ يقول : حفيظ لما وليتُ، عليم بأمره.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا إبراهيم بن المختار، عن شيبة الضبي في قوله : إنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ يقول : إني حفيظ لما استودعتني، عليم بسني المجاعة.
وقال آخرون : إني حافظ للحساب، عليم بالألسن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو، عن الأشجعي : إنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ : حافظ للحساب، عليم بالألسن.
وأولى القولين عندنا بالصواب، قول من قال : معنى ذلك : إني حافظ لما استودعتني، عالم بما أوليتني، لأن ذلك عقيب قوله : اجْعَلْنِي على خَزَائِنِ الأرْضِ ومسألته الملك استكفاءه خزائن الأرض، فكان إعلامه بأن عنده خبرة في ذلك، وكفايته إياه، أشبه من إعلامه حفظه الحساب ومعرفته بالألسن.