اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ قرأ الأخوان، وحفص :" لِفِتْيَانهِ "، والباقون :" لِفِتْيَتهِ " قال أبو عليِّ الفارسيُّ رحمه الله :" الفِتْيَان جمعُ كثرة، والفِتْيَةُ : جمعُ قلَّةٍ، فالتكثير بالنسبة إلى المأمُورينَ، والقلةُ بالنسبة إلى المُتنَاولينَ، وفتًى : يجمعُ على فِتيَانٍ، وفِتْيَة، وقد تقدَّم هل فِعْلة في الجموع اسم جمعٍ، أو جمعُ تكسير، ومثله " أخ " ؛ فإنه جمع على إخوةٍ وإخوان ؛ وهما لغتان بمثل الصِّبيان والصِّبْيَة ".

فصل


اتفق الأكثرون على أنه عليه الصلاة والسلام أمر بوضعِ تلك البضاعة وهي ثمُ طعامهم، في رحالهم بحيثُ لا يعرفون ذلك.
وقيل : إنَّهم كانوا عارفين به.
وهي ضعيفُ ؛ لقوله :﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وذُكِر في السبب الذي لأجله أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم وجوهاً :
أولها : أنَّهم إذ فتحُوا المتاع، فوجدوا بضاعتهم فيه، علموا أنَّ ذلك كرمٌ من يوسف ؛ فيبعثهم ذلك على العود إليه.
وثانيها : خاف ألاَّ يكون عندهم غيره ؛ لأنَّه زمان قحطٍ.
وثالثها : رأى أنَّ أخذ ثمنِ الطّعامِ من أبيه، وإخوته شدة حاجتهم إلى الطعام لؤمٌ.
ورابعها : قال الفراء رحمه الله : إنَّهم متى شاهدُوا بضاعتهم في رحالهم ؛ فيحسبوا أن وقع سهواً، وهم أنبياء وأولاد أنبياء ؛ فيحملهم ذلك على رد البضاعةِ ؛ نفياً للغلطِ ولا يستحلُّون إمساكها.
وخامسها : أراد أن يُحسِنَ إليهم على وجهٍ لا يلحقهم منه عتب، ولا منَّة.
وسادسها : قال الكلبيُّ : تخوَّف ألاَّ يكون عند أبيه من الورقِ ما يرجعون به مرة أخرى.
وسابعها : أنَّ مقصودهُ أن يعرفوا أنَّه لم يطلب أخاهم ؛ لأجل الإيذاء والظلم ؛ وإلا لطلب زيادةَ في الثمَّنِ.
وثامنها : أن يعرف أباه أنه أكرمهم، وطلبهم بعد الإكرام ؛ فلا يثقلُ على أبيه إرسالُ أخيه.
وتاسعها : أراد أن يكون ذلك المالُ معونةً لهم على شدَّة الزمن وكان يخافُ اللصوص من قطع الطَّريق، فوضع الدَّراهم في رحالهم ؛ حتى تبقى مخفية إلى أن يصلوا إلى أبيهم.
وعاشرها : أنه قابل مبالغتهم في الإساءة مبالغة في الإحسان إليهم.
وقوله :﴿يَرْجِعُونَ﴾ يحتمل أن يكون متعدٍّياً، وحذف مفعوله، أي : يرجعون البضاعة ؛ لأنه عرف دينهم ذلك، وأن يكون قاصراً بمعنى يرجعون إلينا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى