غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراآت ﴿حيث نشاء﴾ بالنون : ابن كثير. الآخرون بياء الغيبة ﴿أني أوف﴾ بفتح ياء المتكلم : نافع غير إسماعيل :﴿لفتيانه﴾ ﴿خير حافظاً﴾ حمزة وعلي وخلف غير أبي بكر وحماد. الباقون ﴿لفتيته﴾ ﴿خير حافظاً﴾ ﴿يكتل﴾ بيان الغيبة : حمزة علي وخلف. الباقون بالنون. ﴿تؤتوني﴾ بالياء في الحالين : ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو يزيد وإسماعيل في الوصل.
الوقوف :﴿لنفسي﴾ ج ﴿أمين﴾ ٥ ﴿الأرض﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿عليم﴾ ٥ ﴿في الأرض﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف أو الحال ﴿حيث نشاء﴾ ط ﴿المحسنين﴾ ٥ ﴿يتقون﴾ ٥ ﴿منكرون﴾ ٥ ﴿من أبيكم﴾ ج لحق الاستفهام مع اتحاد القائل ﴿المنزلين﴾ ٥ ﴿ولا تقربون﴾ ٥ ﴿لفاعلون﴾ ٥ ﴿يرجعون﴾ ٥ ﴿لحافظون﴾ ٥ ﴿من قبل﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿حافظاً﴾ ص ﴿الراحمين﴾ ٥ ﴿إليهم﴾ ط لتمام جواب " لما " ﴿ما نبغي﴾ ط لأن ما بعده جملة مستأنفة موضحة للاستفهامية أو المنفية قبلها ﴿إلينا﴾ ج لاحتمال الاستئناف والعطف على ونحن نمير ﴿كيل بعير﴾ ٥ ط ﴿يسير﴾ ٥ ﴿بكم﴾ ط ﴿قال الله﴾ قيل : يسكت بين الفعل والاسم لأن القائل يعقوب لا الله سبحانه، والأحسن أن يفرق بينهما بقوة النغمة فقط لئلا يلزم الفصل بين القائل والمقول ﴿وكيل﴾ ٥ ﴿متفرقة﴾ ط ﴿من شيء﴾ ط ﴿الله﴾ ط ﴿توكلت﴾ ط ﴿المتوكلون﴾ ٥ ﴿أبوهم﴾ ط لأن جواب " لما " محذوف أي سلموا بإذن الله ﴿قضاها﴾ ط ﴿لا يعلمون﴾ ٥.
قال جمهور المفسرين : إنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد خوفاً عليهم من إصابة العين. وههنا مقامان : الأوّل أن الإصابة بالعين حق لإطباق كثير من الأمة ولما روي أن رسول الله ﷺ كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول :" أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. " أي جامعة لشر "، من لمه إذا جمعه، أو المراد ملمة والتغيير للمزاوجة. وعن عبادة بن الصامت قال : دخلت على رسول الله ﷺ في أول النهار فرأيته شديد الوجع، ثم عدت إليه آخر النهار فرأيته معافى. فقال :" إن جبرائيل عليه السلام أتاني فرقاني وقال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من كل عين وحاسد الله يشفيك. قال : فأفقت. " وروي أنه دخل رسول الله ﷺ بيت أم سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا : يا رسول الله أصابته العين. قال : أفلا تسترقون له من العين ؟ وعنه ﷺ :" العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقت العين القدر ". وقالت عائشة : كان يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين. المقام الثاني في الكشف عن حقيقته. قال الجاحظ : يمتد من العين أجزاء فتتصل بالشخص المستحسن فتوثر وتسري فيه كتأثير اللسع والسم. واعترض الجبائي وغيره بأنه لو كان كذلك لأثر في غير المستحسن كتأثيره في المستحسن. وأجيب بأن المستحسن إن كان صديقاً للعائن عند ذلك الاستحسان خوف شديد من زواله، وإن كان عدواً حصل له خوف شديد من حصوله، وعلى التقديرين يسخن الروح وينحصر في داخل القلب ويحصل في الروح الباصرة كيفية مسخنة مؤثرة، فلهذا السبب أمر النبي ﷺ العائن بالوضوء من أصابته العين بالاغتسال منه. وقال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي : لا يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن غير الله ذلك الشخص حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقاً به. وقال الحكماء : ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة بل قد يكون التأثير نفسانياً محضاً أو وهمياً كما للماشي على الجذع، أو تصوّرياً كما في الحركات البدنية، وقد يكون للنفوس خواص عجيبة تتصرف غير أبدانها بحسبها فمنها المعجز ومنها السحر ومنها الإصابة بالعين. أما الجبائي وغيره ممن أنكر العين فقد قالوا : إن أولاد يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بكمالهم وجمالهم وهيئتهم فلم يأمن يعقوب أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم. وقيل : إنه كان عالماً بأن الملك ولده إلا أن الله تعالى لم يأمره بإظهاره وكان غرضه أن يصل بنيامين إليه في غيبتهم قاله إبراهيم النخعي. واعلم أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة ولكنه بعد السعي البليغ يجب أن يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فهو بقضاء الله وقدره وأن الحذر لا يغني عن القدر فلهذا قال يعقوب :﴿وما أغني عنكم من الله من شيء﴾ فقوله الأوّل مبني على رعاية الأسباب والوسائط، وقوله الثاني إلى آخر الآية إشارة إلى الحقيقة وتفويض الأمر بالكلية إلى مسبب الأسباب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : لما تبين لملك الروح قدر يوسف القلب وأمانته وصدقه وحسن استعداده سعى في خلاصه من سجن صفات البشرية ليكون خالصاً له في كشف حقائق الأشياء، ولم يعلم أنه خلق لصلاح جميع رعايا ممكلة روحانية وجسمانية. كما قال النبي ﷺ :" إن في جسد بني آدم مضغة، إن صلحت صلح بها سائر الجسد وإن فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب " وللقلب اختصاص آخر بالله دون سائر المخلوقات، قال سبحانه :" لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن " ﴿اجعلني على خزائن﴾ أرض الجسد فإن الله تعالى في كل عضو من الأعضاء خزانة من اللطف إن استعمله الإنسان فيما خلق ذلك العضو لأجله، وخزانة من القهر إن استعمله في ضده ﴿إني حفيظ﴾ للخزائن ﴿عليم﴾ باستعمالها فيما ينفعها دون ما يضرها ﴿نصيب برحمتنا﴾ فيه أن إصابة اللطف من تلك الخزائن دون القهر موكولة إلى مشيئة الله تعالى. ﴿وجاء إخوة يوسف﴾ وهم الأوصاف البشرية ﴿فعرفهم﴾ يوسف القلب لأنه ينظر بنور الله ﴿وهم له منكرون﴾ لبقائهم في الظلمة وحرمانهم عن النور. ﴿ولما جهزهم﴾ يشير إلى أن يوسف القلب لما التجأت إليه الأوصاف البشرية بدل صفاتها الذميمة النفسانية بالصفات الحميدة الروحانية، فاستدعى منهم إحضار بنيامين السر لأن السر لا يحضر مع القلب إلا بعد التبديل المذكور، وإذا حضر معه يوفى بأوفى الكيل ما لم يوف إلى الأوصاف البشرية ﴿اجعلوا بضاعتهم في رحالهم﴾ فيه أن البضاعة كل عمل من الأعمال البدنية التي تحيا بها الأوصاف البشرية إلى حضرة يوسف مردودة إليها، لأن القلب مستغن عنها. وإنما الأوصاف البشرية محتاجة إليها لأن النفس تتأدب وتتزكى بها كما قال تعالى ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ [الإسراء: ٧] وأن تربية القلب بالأعمال القلبية كالنيات الصالحة ولهذا قال ﷺ :" نية المؤمن خير من عمله " وكالعزائم الخالصة والأخلاق الحميدة والتوكل والإخلاص. ثم قال : كمال تربية القلب بالتخلية وتجلي صفات الحق وصفات ذاته ﴿لعلهم يرجعون﴾ من صفة الأمارية إلا المأمورية والاطمئنان فيستحق بجذبة ﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿ردّت إلينا﴾ فوائده ما ترجع إلى يوسف القلب ﴿ونمير أهلنا﴾ الأعضاء والجوارح نحصل لهم قوّة زائدة على الطاعة بواسطة رسوخ الملكة له ﴿ونحفظ أخانا﴾ من الحوادث النفسانية والوساوس الشيطانية ﴿ونزداد﴾ بواسطة حضور السر عند القلب ﴿كيل بعير﴾ من الفوائد الربانية ﴿وذلك كيل يسير﴾ لمن يسره الله ﴿لتأتنني به﴾ مع الفوائد الربانية ﴿إلا أن يحاط بكم﴾ إلا أن يغالب عليكم الأحكام الأزلية ﴿لا تدخلوا من باب واحد﴾ لا تتقربوا إلى القلب بنوع واحد من المعاملات فللأسباب مدخل في التقريب إلا أن الكل موكل إلى مسبب الأسباب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى