فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
لما تجهز أولاد يعقوب للمسير إلى مصر خاف عليهم أبوهم أن تصيبهم العين ؛ لكونهم كانوا ذوي جمال ظاهر، وثياب حسنة مع كونهم أولاد رجل واحد. فنهاهم أن يدخلوا مجتمعين من باب واحد، لأن في ذلك مظنة لإصابة الأعين لهم، وأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، ولم يكتف بقوله :﴿لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ﴾ عن قوله :﴿وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ﴾ لأنهم لو دخلوا من بابين مثلاً كانوا قد امتثلوا النهي عن الدخول من باب واحد، ولكنه لما كان في الدخول من بابين مثلاً نوع اجتماع يخشى معه أن تصيبهم العين، أمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرّقة، قيل : وكانت أبواب مصر أربعة.
وقد أنكر بعض المعتزلة كأبي هاشم، والبلخي، أن للعين تأثيراً، وقالا : لا يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن يغير الله ذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقاً به. وليس هذا بمستنكر من هذين وأتباعهما، فقد صار دفع أدلة الكتاب والسنّة بمجرد الاستبعادات العقلية دأبهم وديدنهم، وأيّ مانع من إصابة العين بتقدير الله سبحانه لذلك ؟ وقد وردت الأحاديث الصحيحة بأن العين حقّ، وأصيب بها جماعة في عصر النبوّة، ومنهم رسول الله ﷺ. وأعجب من إنكار هؤلاء لما وردت به نصوص هذه الشريعة ما يقع من بعضهم من الإزراء على من يعمل بالدليل المخالف لمجرد الاستبعاد العقلي والتنطع في العبارات كالزمخشري في تفسيره، فإنه في كثير من المواطن لا يقف على دفع دليل الشرع بالاستبعاد الذي يدّعيه على العقل حتى يضمّ إلى ذلك الوقاحة في العبارة على وجه يوقع المقصرين في الأقوال الباطلة، والمذاهب الزائفة، وبالجملة فقول هؤلاء مدفوع بالأدلة المتكاثرة وإجماع من يعتدّ به من هذه الأمة سلفاً وخلفاً، وبما هو مشاهد في الوجود، فكم من شخص من هذا النوع الإنساني وغيره من أنواع الحيوان هلك بهذا السبب.
وقد اختلف العلماء فيمن عرف بالإصابة بالعين، فقال قوم : يمنع من الاتصال بالناس دفعاً لضرره بحبس أو غيره من لزوم بيته. وقيل : ينفي، وأبعد من قال إنه يقتل، إلاّ إذا كان يتعمد ذلك، وتتوقف إصابته على اختياره وقصده ولم ينزجر عن ذلك، فإنه إذا قتل كان له حكم القاتل. ثم قال يعقوب لأولاده ﴿وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَيْء﴾ أي : لا أدفع عنكم ضرراً ولا أجلب إليكم نفعاً بتدبيري هذا، بل ما قضاه الله عليكم فهو واقع لا محالة. قال الزجاج وابن الأنباري : لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم مع الاجتماع لكان تفرّقهم كاجتماعهم. وقال آخرون : ما كان يغني عنهم يعقوب شيئاً قط، حيث أصابهم ما أصابهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم، ثم صرح يعقوب بأنه لا حكم إلا لله سبحانه فقال :﴿إِنِ الحكم إِلاَّ لله﴾ لا لغيره ولا يشاركه فيه مشارك في ذلك ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في كل إيراد وإصدار لا على غيره أي : اعتمدت ووثقت ﴿وَعَلَيْهِ﴾ لا على غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾ على العموم، ويدخل فيه أولاده دخولاً أوّلياً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَقَالَ يا بَنِى لاَ تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ﴾ قال : رهب يعقوب عليهم العين. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن محمد بن كعب قال : خشي عليهم العين. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن النخعي في قوله :﴿وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ﴾ قال : أحب يعقوب أن يلقى يوسف أخاه في خلوة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله :﴿إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ قال : خيفة العين على بنيه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله :﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ قال : إنه لعامل بما علم، ومن لا يعمل لا يكون عالماً. وأخرج هؤلاء عنه في قوله :﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ قال : ضمه إليه، وفي قوله :﴿فَلاَ تَبْتَئِسْ﴾ قال : لا تحزن ولا تيأس، وفي قوله :﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ قال : قضى حاجتهم، وكال لهم طعامهم، وفي قوله :﴿جَعَلَ السقاية﴾ قال : هو إناء الملك الذي يشرب منه ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ قال : في متاع أخيه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس في قوله :﴿جَعَلَ السقاية﴾ قال : هو الصواع، وكل شيء يشرب منه فهو صواع. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، ابن أبي حاتم عن ابن زيد نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله :﴿أَيَّتُهَا العير﴾ قال : كانت العير حميراً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ قال : حمل حمار طعام، وهي لغة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يقول : كفيل. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والضحاك مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في قوله :﴿مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض﴾ يقول : ما جئنا لنعصي في الأرض. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله :﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ قال : عرفوا الحكم في حكمهم فقالوا :﴿من وجد في رحله فهو جزاؤه﴾، وكان الحكم عند الأنبياء يعقوب وبنيه أن يؤخذ السارق بسرقته عبداً يسترقّ. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله :﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ قال : ذكر لنا أنه كان كلما فتح متاع رجل استغفر تأثماً مما صنع حتى بقي متاع الغلام قال : ما أظن أن هذا أخذ شيئاً، قالوا : بلى فاستبره، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله :﴿كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ قال : كذلك صنعنا ليوسف ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك﴾ يقول : في سلطان الملك. قال : كان في دين ملكهم أنه من سرق أخذت منه السرقة ومثلها معها من ماله فيعطيه المسروق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله :﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك﴾ يقول : في سلطان الملك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله :﴿إِلاَّ أَن يَشَاء الله﴾ قال : إلا بعلة كادها الله ليوسف فاعتلّ بها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه في قوله :﴿نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء﴾ قال : يوسف وإخوته أوتوا علماً فرفعنا يوسف في العلم فوقهم درجة. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : كنا عند ابن عباس فحدث بحديث، فقال رجل عنده :﴿وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فقال ابن عباس : بئس ما قلت. الله العليم الخبير، وهو فوق كل عالم. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب قال : سأل رجل علياً عن مسألة، فقال فيها، فقال الرجل ليس هكذا ولكن كذا وكذا، قال عليّ : أصبت وأخطأت ﴿وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عكرمة في قوله :﴿وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال : علم الله فوق كل عالم.
وقد أنكر بعض المعتزلة كأبي هاشم، والبلخي، أن للعين تأثيراً، وقالا : لا يمتنع أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به كانت المصلحة له في تكليفه أن يغير الله ذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف معلقاً به. وليس هذا بمستنكر من هذين وأتباعهما، فقد صار دفع أدلة الكتاب والسنّة بمجرد الاستبعادات العقلية دأبهم وديدنهم، وأيّ مانع من إصابة العين بتقدير الله سبحانه لذلك ؟ وقد وردت الأحاديث الصحيحة بأن العين حقّ، وأصيب بها جماعة في عصر النبوّة، ومنهم رسول الله ﷺ. وأعجب من إنكار هؤلاء لما وردت به نصوص هذه الشريعة ما يقع من بعضهم من الإزراء على من يعمل بالدليل المخالف لمجرد الاستبعاد العقلي والتنطع في العبارات كالزمخشري في تفسيره، فإنه في كثير من المواطن لا يقف على دفع دليل الشرع بالاستبعاد الذي يدّعيه على العقل حتى يضمّ إلى ذلك الوقاحة في العبارة على وجه يوقع المقصرين في الأقوال الباطلة، والمذاهب الزائفة، وبالجملة فقول هؤلاء مدفوع بالأدلة المتكاثرة وإجماع من يعتدّ به من هذه الأمة سلفاً وخلفاً، وبما هو مشاهد في الوجود، فكم من شخص من هذا النوع الإنساني وغيره من أنواع الحيوان هلك بهذا السبب.
وقد اختلف العلماء فيمن عرف بالإصابة بالعين، فقال قوم : يمنع من الاتصال بالناس دفعاً لضرره بحبس أو غيره من لزوم بيته. وقيل : ينفي، وأبعد من قال إنه يقتل، إلاّ إذا كان يتعمد ذلك، وتتوقف إصابته على اختياره وقصده ولم ينزجر عن ذلك، فإنه إذا قتل كان له حكم القاتل. ثم قال يعقوب لأولاده ﴿وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَيْء﴾ أي : لا أدفع عنكم ضرراً ولا أجلب إليكم نفعاً بتدبيري هذا، بل ما قضاه الله عليكم فهو واقع لا محالة. قال الزجاج وابن الأنباري : لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم مع الاجتماع لكان تفرّقهم كاجتماعهم. وقال آخرون : ما كان يغني عنهم يعقوب شيئاً قط، حيث أصابهم ما أصابهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم، ثم صرح يعقوب بأنه لا حكم إلا لله سبحانه فقال :﴿إِنِ الحكم إِلاَّ لله﴾ لا لغيره ولا يشاركه فيه مشارك في ذلك ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في كل إيراد وإصدار لا على غيره أي : اعتمدت ووثقت ﴿وَعَلَيْهِ﴾ لا على غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾ على العموم، ويدخل فيه أولاده دخولاً أوّلياً.