البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
﴿فَبَدأَ﴾ المؤذن أو يوسف ؛ لأنهم رُدُّوا إلى مصر، أي : بدأ في التفتيش، ﴿بأوعيتِهم قبلَ وعَاءِ أخيه﴾ بنيامين، تقية للتهمة، ﴿ثم استخرجها﴾ ؛ أي : السقاية، أو الصواع ؛ لأنه يُذكر ويُؤنث، ﴿من وعاءِ أخيه﴾ ﴿كذلك﴾، أي : مثل ذلك الكيد ﴿كِدْنَا ليوسفَ﴾ أي : علمناه الحيلة بالوحي في أخذ أخيه، ﴿ما كان ليَأخُذَ أخاه في دين الملك﴾ ملك مصر ؛ لأن دينه كان الضرب وتغريم ضعف ما أخذ دون الاسترقاق. ﴿إلا أن يشاءَ اللهُ﴾ أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك. أو : لكن أخذه بمشيئة الله وإرادته. ﴿نرفعُ درجات من نشاء﴾ بالعلم والعمل، كما رفعنا درجته، ﴿وفوق كلّ ذي علم عليم﴾ أرفع درجة منه.
قال البيضاوي : واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته ؛ إذ لو كان ذا علم لكان فوقه من هو أعلم منه أي : لدخوله تعالى في عموم الآية والجواب : أن المراد كل ذي علم من الخلق ؛ لأن الكلام فيهم، ولأن العليم هو الله تعالى. ومعناه : الذي له العلم البالغ، ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا : فوق كل العلماء عليم، وهو مخصوص. ه.
قلت : وقد ورد ثبوت العلم له تعالى في آيات وأحاديث. كقوله تعالى :﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾
[النساء: ١٦٦] ﴿أُنزِلِ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤]، " وإني على عِلمٍ من عِلمِ اللهِ علَّمَنيهِ " إلى غير ذلك مما هو صريح في الرد عليهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : يؤخذ من قوله تعالى :﴿ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم﴾ : امتثال أمر الأب فيما يأمر وينهى. ولا فرق بين أب البشرية وأب الروحانية ـ وهو الشيخ ـ، فامتثال أمره واجب على المريد، ولو كان فيه حتف أنفه، وأمره مقدم على أمر الأب كما تقدم في سورة النساء. وقد قالوا : أركان التصوف ثلاث : الاجتماع، والاستماع، والاتباع. وقوله تعالى :﴿ما كان يُغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة...﴾ الخ : فيه الجمع بين مراعاة القدرة والحكمة، فالقدرة تقتضي التفويض ؛ إذ لا فعل لغير الله، والحكمة تقتضي الحذر، واستعمال الأسباب ؛ لأن الحكمة رداء للقدرة. فالكمال هو الجمع بينهما ؛ ستراً لأسرار الربوبية، فالباطن ينظر لتصريف القدرة، والظاهر يستعمل أستار الحكمة.
وقوله تعالى :﴿فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رَحْل أخيه...﴾ الآية. هذا من فعل أهل التصريف بالله، المأخوذين عنهم، لا يدخل تحت قواعد الشرع ؛ لأن فاعله مفعول به، أو ناظر بنور الله إلى غيب مشيئة الله، كأفعال الخضر عليه السلام. قال الورتجبي : إن الله سبحانه إذا خصَّ نبياً، أو ولياً ألبسه صفاته بتدريج الحال ؛ ففي كل حالة له يكسوه نوراً من صفته، فمن جملة صفاته : كيد الأزل ومكر الأبد، فكسى علم كيده قلب يوسُفَ، حتى كاد برؤية كيد الله الأزلي، فعرفه فيه أسرار لطف صنائعه، وعلم حقائق أفعاله وقدرته. هـ.
وقوله :﴿نرفع درجات من نشاء﴾ : أي بالعلم بالله ؛ كالكشف عن أسرار ذاته وأنوار صفاته، والتخلق بمعاني أسمائه، والتحقق بمقامات اليقين، ومنازل السائرين. وهذه درجات المقربين، وليس فوقها إلا درجة الأنبياء والمرسلين. أو بالعلم بأحكام الله وشرائعه ؛ كالعلم بأحكام العبادات والعادات، وسائر المعاملات. وهذه درجات عامة أهل اليمين من العلماء الأتقياء والصالحين، ومنتهى درجاتهم هي ابتداء درجات العارفين المقربين، ثم الأنبياء والمرسلين. ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾، ومنتهى العلم إلى الله العظيم.
الإشارة : يؤخذ من قوله تعالى :﴿ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم﴾ : امتثال أمر الأب فيما يأمر وينهى. ولا فرق بين أب البشرية وأب الروحانية ـ وهو الشيخ ـ، فامتثال أمره واجب على المريد، ولو كان فيه حتف أنفه، وأمره مقدم على أمر الأب كما تقدم في سورة النساء. وقد قالوا : أركان التصوف ثلاث : الاجتماع، والاستماع، والاتباع. وقوله تعالى :﴿ما كان يُغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة...﴾ الخ : فيه الجمع بين مراعاة القدرة والحكمة، فالقدرة تقتضي التفويض ؛ إذ لا فعل لغير الله، والحكمة تقتضي الحذر، واستعمال الأسباب ؛ لأن الحكمة رداء للقدرة. فالكمال هو الجمع بينهما ؛ ستراً لأسرار الربوبية، فالباطن ينظر لتصريف القدرة، والظاهر يستعمل أستار الحكمة.
وقوله تعالى :﴿فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رَحْل أخيه...﴾ الآية. هذا من فعل أهل التصريف بالله، المأخوذين عنهم، لا يدخل تحت قواعد الشرع ؛ لأن فاعله مفعول به، أو ناظر بنور الله إلى غيب مشيئة الله، كأفعال الخضر عليه السلام. قال الورتجبي : إن الله سبحانه إذا خصَّ نبياً، أو ولياً ألبسه صفاته بتدريج الحال ؛ ففي كل حالة له يكسوه نوراً من صفته، فمن جملة صفاته : كيد الأزل ومكر الأبد، فكسى علم كيده قلب يوسُفَ، حتى كاد برؤية كيد الله الأزلي، فعرفه فيه أسرار لطف صنائعه، وعلم حقائق أفعاله وقدرته. هـ.
وقوله :﴿نرفع درجات من نشاء﴾ : أي بالعلم بالله ؛ كالكشف عن أسرار ذاته وأنوار صفاته، والتخلق بمعاني أسمائه، والتحقق بمقامات اليقين، ومنازل السائرين. وهذه درجات المقربين، وليس فوقها إلا درجة الأنبياء والمرسلين. أو بالعلم بأحكام الله وشرائعه ؛ كالعلم بأحكام العبادات والعادات، وسائر المعاملات. وهذه درجات عامة أهل اليمين من العلماء الأتقياء والصالحين، ومنتهى درجاتهم هي ابتداء درجات العارفين المقربين، ثم الأنبياء والمرسلين. ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾، ومنتهى العلم إلى الله العظيم.
قال البيضاوي : واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته ؛ إذ لو كان ذا علم لكان فوقه من هو أعلم منه أي : لدخوله تعالى في عموم الآية والجواب : أن المراد كل ذي علم من الخلق ؛ لأن الكلام فيهم، ولأن العليم هو الله تعالى. ومعناه : الذي له العلم البالغ، ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا : فوق كل العلماء عليم، وهو مخصوص. ه.
قلت : وقد ورد ثبوت العلم له تعالى في آيات وأحاديث. كقوله تعالى :﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾
[النساء: ١٦٦] ﴿أُنزِلِ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤]، " وإني على عِلمٍ من عِلمِ اللهِ علَّمَنيهِ " إلى غير ذلك مما هو صريح في الرد عليهم.
وقوله تعالى :﴿فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رَحْل أخيه...﴾ الآية. هذا من فعل أهل التصريف بالله، المأخوذين عنهم، لا يدخل تحت قواعد الشرع ؛ لأن فاعله مفعول به، أو ناظر بنور الله إلى غيب مشيئة الله، كأفعال الخضر عليه السلام. قال الورتجبي : إن الله سبحانه إذا خصَّ نبياً، أو ولياً ألبسه صفاته بتدريج الحال ؛ ففي كل حالة له يكسوه نوراً من صفته، فمن جملة صفاته : كيد الأزل ومكر الأبد، فكسى علم كيده قلب يوسُفَ، حتى كاد برؤية كيد الله الأزلي، فعرفه فيه أسرار لطف صنائعه، وعلم حقائق أفعاله وقدرته. هـ.
وقوله :﴿نرفع درجات من نشاء﴾ : أي بالعلم بالله ؛ كالكشف عن أسرار ذاته وأنوار صفاته، والتخلق بمعاني أسمائه، والتحقق بمقامات اليقين، ومنازل السائرين. وهذه درجات المقربين، وليس فوقها إلا درجة الأنبياء والمرسلين. أو بالعلم بأحكام الله وشرائعه ؛ كالعلم بأحكام العبادات والعادات، وسائر المعاملات. وهذه درجات عامة أهل اليمين من العلماء الأتقياء والصالحين، ومنتهى درجاتهم هي ابتداء درجات العارفين المقربين، ثم الأنبياء والمرسلين. ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾، ومنتهى العلم إلى الله العظيم.
الإشارة : يؤخذ من قوله تعالى :﴿ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم﴾ : امتثال أمر الأب فيما يأمر وينهى. ولا فرق بين أب البشرية وأب الروحانية ـ وهو الشيخ ـ، فامتثال أمره واجب على المريد، ولو كان فيه حتف أنفه، وأمره مقدم على أمر الأب كما تقدم في سورة النساء. وقد قالوا : أركان التصوف ثلاث : الاجتماع، والاستماع، والاتباع. وقوله تعالى :﴿ما كان يُغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة...﴾ الخ : فيه الجمع بين مراعاة القدرة والحكمة، فالقدرة تقتضي التفويض ؛ إذ لا فعل لغير الله، والحكمة تقتضي الحذر، واستعمال الأسباب ؛ لأن الحكمة رداء للقدرة. فالكمال هو الجمع بينهما ؛ ستراً لأسرار الربوبية، فالباطن ينظر لتصريف القدرة، والظاهر يستعمل أستار الحكمة.
وقوله تعالى :﴿فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رَحْل أخيه...﴾ الآية. هذا من فعل أهل التصريف بالله، المأخوذين عنهم، لا يدخل تحت قواعد الشرع ؛ لأن فاعله مفعول به، أو ناظر بنور الله إلى غيب مشيئة الله، كأفعال الخضر عليه السلام. قال الورتجبي : إن الله سبحانه إذا خصَّ نبياً، أو ولياً ألبسه صفاته بتدريج الحال ؛ ففي كل حالة له يكسوه نوراً من صفته، فمن جملة صفاته : كيد الأزل ومكر الأبد، فكسى علم كيده قلب يوسُفَ، حتى كاد برؤية كيد الله الأزلي، فعرفه فيه أسرار لطف صنائعه، وعلم حقائق أفعاله وقدرته. هـ.
وقوله :﴿نرفع درجات من نشاء﴾ : أي بالعلم بالله ؛ كالكشف عن أسرار ذاته وأنوار صفاته، والتخلق بمعاني أسمائه، والتحقق بمقامات اليقين، ومنازل السائرين. وهذه درجات المقربين، وليس فوقها إلا درجة الأنبياء والمرسلين. أو بالعلم بأحكام الله وشرائعه ؛ كالعلم بأحكام العبادات والعادات، وسائر المعاملات. وهذه درجات عامة أهل اليمين من العلماء الأتقياء والصالحين، ومنتهى درجاتهم هي ابتداء درجات العارفين المقربين، ثم الأنبياء والمرسلين. ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾، ومنتهى العلم إلى الله العظيم.