زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قال ابن الأنباري : معناه : والله، وجواب هذا القسم " لا " المضمرة التي تأويلها : تالله لا تفتأ، فلما كان موضعها معلوما خفف الكلام بسقوطها من ظاهره، كما تقول العرب : والله أقصدك أبدا، يعنون : لا أقصدك، قال امرؤ القيس :
فقلت يمين الله أبرح قاعداولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
يريد : لا أبرح، وقالت الخنساء :
فأقسمت آسى على هالكأو اسأل نائحة ما لها
أرادت : لا آسى، وقال الآخر :
لم يشعر النعش ما عليه من العرف ولا الحاملون ما حملوا
تالله أنسى مصيبتي أبداما أسمعتني حنيتها الإبل
وقرأ أبو عمران، وابن محيصن، وأبو حيوة :" قالوا بالله " بالباء، وكذلك كل قسم في القرآن. وأما قوله :" تفتأ " فقال المفسرون وأهل اللغة : معنى " تفتأ " تزال، فمعنى الكلام : لا تزال تذكر يوسف، وأنشد أبو عبيدة :
فما فتئت خيل تثوب وتدعيويلحق منها لاحق وتقطع
وأنشد ابن القاسم :
فما فتئت منا رعال كأنهارعال القطا حتى احتوين بني صخر
قوله تعالى :﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً﴾ فيه أربعة أقوال :
أحدها : أنه الدنف، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال ابن قتيبة : يقال : أحرضه الحزن، أي : أدنفه. قال أبو عبيدة : الحرض : الذي قد أذابه الحزن أو الحب، وهي في موضع محرض. وأنشد :
إني امرؤ لج بي حب فأحرضنيحتى بليت وحتى شفني السقم
أي : أذابني. وقال الزجاج : الحرض : الفاسد في جسمه، والمعنى : حتى تكون مدنفا مريضا.
والثاني : أنه الذاهب العقل، قاله الضحاك عن ابن عباس. وقال ابن إسحاق : الفاسد العقل. قال الزجاج : وقد يكون الحرض : الفاسد في أخلاقه.
والثالث : أنه الفاسد في جسمه وعقله، يقال : رجل حارض وحرض، فحارض يثنى ويجمع ويؤنث، وحرض لا يجمع ولا يثنى، لأنه مصدر، قاله الفراء.
والرابع : أنه الهرم، قاله الحسن، وقتادة، وابن زيد.
قوله تعالى :﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ يعنون : الموتى.
فإن قيل : كيف حلفوا على شيء يجوز أن يتغير ؟
فالجواب : أن في الكلام إضمارا، تقديره : إن هذا في تقديرنا وظننا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى