المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿قالوا تالله تفتأ﴾ الآية، المعنى تالله لا تفتأ فتحذف لا في هذه الموضع من القسم لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرىء القيس :[ الطويل ]
ومنه قول الآخر :
أراد لا يبرح ولا يبقى، وقال الزجاجي(٣) : وقد تحذف أيضاً ما في هذا الموضع.
قال القاضي أبو محمد : وخطأه بعض النحويين، ومن المواضع التي حذفت فيها لا ويدل عليها الكلام قول الشاعر :[ الطويل ]
وقوله ما قبل الزند قادح يوجب أن المحذوف «لا »، وليست «ما »، وفتىء بمنزلة زال وبرح في المعنى والعمل، تقول : والله لا فتئت قاعداً كما تقول : لا زلت ولا برحت، ومنه قول أوس بن حجر :[ الطويل ]
و «الحرض » : الذي قد نهكه الهرم أو الحب أو الحزن إلى حال فساد الأعضاء والبدن والحس، وعلى هذا المعنى قراءة الجمهور «حَرَضاً » بفتح الراء والحاء*** وقرأ الحسن بن أبي الحسن بضمهما، وقرأت فرقة «حُرْضاً » بضم الحاء وسكون الراء. وهذا كله المصدر يوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والجمع بلفظ واحد، كعدل وعدو، وقيل في قراءة الحسن : انه يراد : فتات الأشنان أي بالياً متفتتاً، ويقال من هذا المعنى الذي هو شن الهم والهرم : رجل حارض، ويثنى هذا البناء ويجمع ويؤنث ويذكر، ومن هذا المعنى قول الشاعر :[ البسيط ]
وقد سمع من العرب : رجل محرض، قال الشاعر - وهو امرؤ القيس :[ الطويل ]
و «الحرض » - بالجملة - الذي فسد ودنا موته، قال مجاهد :«الحرض » : ما دون الموت(٧)، قال قتادة :«الحرض » : البالي الهرم، وقال نحو الضحاك والحسن، وقال ابن إسحاق :﴿حرضاً﴾ معناه فاسد لا عقل له ؛ فكأنهم قالوا على جهة التعنيف له : أنت لا تزال تذكر يوسف إلى حال القرب من الهلاك أو إلى الهلاك.
| فقلت يمين الله أبرح قاعداً | ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي(١) |
| تالله يبقى على الأيام ذو حيد | بمشمخر به الظيان والآس(٢) |
قال القاضي أبو محمد : وخطأه بعض النحويين، ومن المواضع التي حذفت فيها لا ويدل عليها الكلام قول الشاعر :[ الطويل ]
| فلا وأبي دهماء زالت عزيزة | على قومها ما قبل الزَّنْدَ قادِحُ(٤) |
| فما فتئت حتى كأن غبارها | سرادق يوم ذي رياح يرفَّع |
| إني امرؤ لجَّ بي حبٌّ فأحرضني | حتى بليت وحتى شفني السقم(٥) |
| أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضاً | كإحراضِ بكر في الديار مريض(٦) |
١ البيت من قصيدة ا امرئ القيس الوجدانية يقول في مطلعها: "ألا عم صباحا أيها الطلل البالي"، وفي البيت الذي قبله تقول له الحبيبة: "سباك الله إنك فاضحي " فيجيبها: لن أبرح مكاني حتى لو أدركوني وقطعوا أوصالي. وهذا مما يؤكد شدة هيامه ووجده بها إلى درجة التفاخر والشجاعة التي هي خط القصيدة. و "يمين الله" تكون بالرفع على أنه مبتدأ خبره مضمر تقديره: يمين الله لازمني، وتكون بالنصب على إضمار فعل، مثل فعل العرب: "أمانة الله"، و "أبرح" معناه: "لا أبرح" بحذف (لا) لدلالة المعنى عليها، وذلك لأن الفعل بعد القسم غير مؤكد، ولو كان الكلام إثباتا لوجب توكيد الفعل بالنون فيقول: "أبرحن"، والأوصال: جمع وصل بالكسر، وهو كل عضو ينفصل من آخر.
.
٢ البيت في "الصحاح"، وقد نسبه إلى الهذلي، وقال محققه: هو مالك بن خالد الخناعي، و "وحيد" بكسر الحاء وفتح الياء جمع " حيدة" على وزن بدرة وبدر، قال في الصحاح: والحيدة: كل نتوء في قرن الوعل والجبل، والحيد: حرف شاخص يخرج من الجبل. والظيان والآس: نوعان من الأزهار والرياحين التي تنبث في الجبال، والمشمخر: الجبل العالي المرتفع في السماء، والشاهد في البيت حذف حرف النفي (لا) لأن المعنى يدل عليه، والتقدير كما قال ابن عطية: "لا يبقى على الأيام"..
٣ هو عبد الرحمن بن إسحق النهاوندي الزجاجي، أبو القاسم، شيخ العربية في عصره، ولد في نهاوند، ونشأ في بغداد، وتوفي في طبرية، وله من الكتب المطبوعة: " الجمل الكبرى " و "الإيضاح الكافي"، وله من الكتب التي لا تزال مخطوطة: "الزاهر" في اللغة. وكانت وفاته سنة ٣٣٧ هـ، ٩٤٩م. (الأعلام، بغية الوعاة، وفيات الأعيان)..
٤ البيت مجهول القائل، وقد ذكره البغدادي في خزانة الأدب الكبرى شاهدا على أنه قد فصل بالجار والمجرور أعني الجملة القسمية "وأبي الدهماء" بين (لا) النافية و (زال). وذكره ابن هشام في الجملة الاعتراضية شاهدا على أنها تكون بين حرف النفي ومنفية. وقال الفراء في معاني القرآن: "إن (لا) قد تضمر مع الأيمان لأنها إذا كانت خبرا لا يضمر فيها (لا)، لم تكن إلا بلام، ألا ترى أنك تقول: والله لآتينك، ولا يجوز أن تقول: والله القيس: فقلت يمين الله أبرح... البيت، وأنشد بعضهم: فلا وأبي دهماء زالت عزيزة... البيت ". ودهماء: اسم امرأة، والشاعر يقسم بوالدها، و جملة (لا زالت عزيزة ) جواب القسم، وقد روى البيت: (مادام للزند قادح).
.
٥ البيت للعرجي عبد الله بن عمر بن عبد الله، ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن شاهدا على أن معنى أحرضني هو: أذابني، وذكره في اللسان شاهدا على أن أحرض بمعنى: أفسد، وقال: إن معنى "شفني السقم": أذابني..
٦ الآذواد: جمع ذود، وهو الثلاثة إلى العشرة من الإبل، وقد ذكره في اللسان دليلا على أن المحرض هو الهالك مرضا، الذي لاحي فيرجى ولا ميت فيوءس منه، والبكر: الفتي من الإبل، وجمعه: أبكر وبكار، يقول: إن المرء مهما كان صاحب مال يصيبه المرض الذي لا رجاء بعده تماما كالبكر القوي من الإبل حين يصبح في الديار مريضا..
٧ ومن ذلك قول الشاعر:
سرى همي فأمرضني وقدما زادني مرضا
كذاك الحب قبل اليو م مما يورث الحرضا..
.
٢ البيت في "الصحاح"، وقد نسبه إلى الهذلي، وقال محققه: هو مالك بن خالد الخناعي، و "وحيد" بكسر الحاء وفتح الياء جمع " حيدة" على وزن بدرة وبدر، قال في الصحاح: والحيدة: كل نتوء في قرن الوعل والجبل، والحيد: حرف شاخص يخرج من الجبل. والظيان والآس: نوعان من الأزهار والرياحين التي تنبث في الجبال، والمشمخر: الجبل العالي المرتفع في السماء، والشاهد في البيت حذف حرف النفي (لا) لأن المعنى يدل عليه، والتقدير كما قال ابن عطية: "لا يبقى على الأيام"..
٣ هو عبد الرحمن بن إسحق النهاوندي الزجاجي، أبو القاسم، شيخ العربية في عصره، ولد في نهاوند، ونشأ في بغداد، وتوفي في طبرية، وله من الكتب المطبوعة: " الجمل الكبرى " و "الإيضاح الكافي"، وله من الكتب التي لا تزال مخطوطة: "الزاهر" في اللغة. وكانت وفاته سنة ٣٣٧ هـ، ٩٤٩م. (الأعلام، بغية الوعاة، وفيات الأعيان)..
٤ البيت مجهول القائل، وقد ذكره البغدادي في خزانة الأدب الكبرى شاهدا على أنه قد فصل بالجار والمجرور أعني الجملة القسمية "وأبي الدهماء" بين (لا) النافية و (زال). وذكره ابن هشام في الجملة الاعتراضية شاهدا على أنها تكون بين حرف النفي ومنفية. وقال الفراء في معاني القرآن: "إن (لا) قد تضمر مع الأيمان لأنها إذا كانت خبرا لا يضمر فيها (لا)، لم تكن إلا بلام، ألا ترى أنك تقول: والله لآتينك، ولا يجوز أن تقول: والله القيس: فقلت يمين الله أبرح... البيت، وأنشد بعضهم: فلا وأبي دهماء زالت عزيزة... البيت ". ودهماء: اسم امرأة، والشاعر يقسم بوالدها، و جملة (لا زالت عزيزة ) جواب القسم، وقد روى البيت: (مادام للزند قادح).
.
٥ البيت للعرجي عبد الله بن عمر بن عبد الله، ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن شاهدا على أن معنى أحرضني هو: أذابني، وذكره في اللسان شاهدا على أن أحرض بمعنى: أفسد، وقال: إن معنى "شفني السقم": أذابني..
٦ الآذواد: جمع ذود، وهو الثلاثة إلى العشرة من الإبل، وقد ذكره في اللسان دليلا على أن المحرض هو الهالك مرضا، الذي لاحي فيرجى ولا ميت فيوءس منه، والبكر: الفتي من الإبل، وجمعه: أبكر وبكار، يقول: إن المرء مهما كان صاحب مال يصيبه المرض الذي لا رجاء بعده تماما كالبكر القوي من الإبل حين يصبح في الديار مريضا..
٧ ومن ذلك قول الشاعر:
سرى همي فأمرضني وقدما زادني مرضا
كذاك الحب قبل اليو م مما يورث الحرضا..