جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿قَالَ إِنّمَآ أَشْكُو بَثّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.


يقول تعالى ذكره : قال يعقوب للقائلين له من ولده تاللّهِ تفتأ تَذْكُرُ يُوسُفَ حتى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهَالِكِينَ : لست إليكم أشكو بثي وحزني، وإنما أشكو ذلك إلى الله.
ويعني بقوله : إنّمَا أشْكُو بَثّي ما أشكو همي وَحُزْنِي إلاّ إلى اللّهِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : إنّمَا أشْكُو بَثّي قال : ابن عباس : بثّي : همي.
حدثنا ابن حميد، قال :.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : إنّمَا أشْكُو بَثّي قال : ابن عباس : بثّي : همي.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : قال يعقوب عن علم بالله : إنّمَا أشْكُوا بَثّي وَحُزْنِي إلى اللّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ لما رأى من فظاظتهم وغلظتهم وسوء لفظهم له : لم أشك ذلك إليكم، وأعْلَمُ مِنَ اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن الحسن : إنّمَا أشْكُو بَثّي وحُزْنِي إلى اللّهِ قال : حاجتي وحزني إلى الله.
حدثنا الحسن بن محمد، قال : حدثنا هوذة بن خليفة، قال : حدثنا عوف، عن الحسن، مثله.
وقيل : إن البثّ أشدّ الحزن، وهو عندي من بَثّ الحديث، وإنما يراد منه : إنما أشكو خبري الذي أنا فيه من الهمّ، وأبثّ حديثي وحزني إلى الله.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن عوف، عن الحسن : إنّمَا أشْكُو بَثّي قال : حزني.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن عوف، عن الحسن : إنّمَا أشْكُو بَثّي وَحُزُنِي قال : حاجتي.
وأما قوله : وأعْلَمُ مِنَ اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ فإن ابن عباس كان يقول في ذلك فيما ذكر عنه ما :
حدثني به محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : وأعْلَمُ مِنَ اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ يقول : أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني سأسجد له.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ : قالَ إنّمَا أشْكُو بثِيّ وحُزْنِي إلى اللّهِ وأعْلَمُ منَ اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ قال : لما أخبروه بدعاء الملك أحست نفس يعقوب، وقال : ما يكون في الأرض صدّيق إلاّ نبيّ فطمع، قال : لعله يوسف.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : قالَ إنّمَا أشْكُو بَثّي وَحُزْنِي إلى اللّهِ الآية، ذكر لنا أن نبيّ الله يعقوب لم ينزل به بلاء قطّ إلاّ أتى حسن ظنه بالله من ورائه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عيسى بن يزيد، عن الحسن، قال : قيل : ما بلغ وَجْدُ يعقوب على ابنه ؟ قال : وَجْد سبعين ثكلى. قال : فما كان له من الأجر ؟ قال : أجر مئة شهيد. قال : وما ساء ظنه بالله ساعة من ليل ولا نهار.
حدثنا به ابن حميد مرّة أخرى، قال : حدثنا حكام، عن أبي معاذ، عن يونس، عن الحسن، عن النبيّ ﷺ، مثله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن المبارك بن مجاهد، عن رجل من الأزد، عن طلحة بن مصرّف الإيامي، قال : ثلاثة لا تذكرهن واجتنب ذكرهن : لا تشك مرضك، ولا تشك مصيبتك، ولا تزك نفسك. قال : وأنبئت أن يعقوب بن إسحاق دخل عليه جار له، فقال له : يا يعقوب ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السنّ ما بلغ أبوك ؟ قال : هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من همّ يوسف وذكره. فأوحى الله إليه : يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي ؟ فقال : يا ربّ خطيئة أخطأتها، فاغفرها لي قال : فإني قد غفرت لك. وكان بعد ذلك إذا سئل، قال : إنّمَا أشْكُو بَثّي وحُزْنِي إلى اللّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : ثني مؤمل بن إسماعيل، قال : حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، قال : بلغني أن يعقوب كبر حتى سقط حاجباه على وجنتيه، فكان يرفعهما بخرقة، فقال له رجل : ما بلغ بك ما أرى ؟ قال : طول الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله إليه : يا يعقوب تشكوني ؟ قال : خطيئة فاغفرها.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا ثور بن يزيد، قال : دخل يعقوب على فرعون وقد سقط حاجباه على عينيه، فقال : ما بلغ بك هذا يا إبراهيم ؟ فقالوا : إنه يعقوب، فقال : ما بلغ بك هذا يا يعقوب ؟ قال : طول الزمان وكثرة الأحزان. فقال الله : يا يعقوب أتشكوني ؟ فقال : يا ربّ خطيئة أخطأتها، فاغفرها لي.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا هشام، عن ليث بن أبي سليم، قال : دخل جبرئيل على يوسف السجن، فعرفه فقال : أيها الملك الحسن وجهه، الطيبة ريحه، الكريم عل ربه، ألا تخبرني عن يعقوب أحيّ هو ؟ قال : نعم. قال : أيها الملك الحسن وجهه، الطيبة ريحه، الكريم على ربه، فما بلغ من حزنه ؟ قال : حزن سبعين مثكلة. قال : أيها الملك الحسن وجهه، الطيبة ريحه، الكريم على ربه، فهل في ذلك من أجر ؟ قال : أجر مئة شهيد.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال : حُدثت أن جبرئيل أتى يوسف صلّى الله عليهما وسلم وهو بمصر في صورة رجل فلما رآه يوسف عرفه، فقام إليه، فقال : أيها الملك الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، هل لك بيعقوب من علم ؟ قال : نعم. قال : أيها الملك الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، فكيف هو ؟ قال : ذهب بصره. قال : أيها الملك الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، وما الذي أذهب بصره ؟ قال : الحزن عليك. قال : أيها الملك الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، فما أعْطِيَ على ذلك ؟ قال : أجر سبعين شهيدا.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال أبو شريح : سمعت من يحدّث أن يوسف سأل جبرئيل : ما بلغ من حزن يعقوب ؟ قال : حُزْنَ سبعين ثَكْلَى. قال : فما بلغ أجره ؟ قال : أجر سبعين شهيدا.
قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني نافع بن زيد، عن عبيد الله بن أبي جعفر، قال : دخل جبرئيل على يوسف في البئر أو في السجن، فقال له يوسف : يا جبرئيل، ما بلغ حزن أبي ؟ قال : حزن سبعين ثكلى. قال : فما بلغ أجره من الله ؟ قال : أجر مئة شهيد.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال : ثني عبد الصمد بن معقل، قال : سمعت وهب بن منبه يقول : أتى جبرئيل يوسف بالبشرى وهو في السجن، فقال : هل تعرفني أيها الصّدّيق ؟ قال : أرى صورة طاهرة وروحا طيبة لا تشبه أرواح الخاطئين. قال : فإني رسول ربّ العالمين، وأنا الروح الأمين. قال : فما الذي أدخلك عليّ مُدْخَل المذنبين، وأنت أطيب الطيبين، ورأس المقرّبين، وأمين ربّ العالمين ؟ قال : ألم تعلم يا يوسف أنّ الله يطهر البيوت بطهر النبيين، وأن الأرض التي يدخلونها هي أطهر الأرضين، وأن الله قد طهر بك السجن وما حوله يا طهر الطاهرين وابن المطهرين ؟ إنما يتطهر بفضل طهرك وطهر آبائك الصالحين المخلصين. قال : كيف لي باسم الصدّيقين، وتعدني من المخلصين، وقد أدخلت مدخل المذنبين، وسميت بالضالين المفسدين ؟ قال : لم يفتتن قلبك، ولم تطع سيدتك في معصية ربك، ولذلك سماك الله في الصدّيقين، وعدّك من المخلصين، وألحقك بآبائك الصالحين. قال : لك علم بيعقوب أيها الروح الأمين ؟ قال : نعم، وهبه الله الصبر الجميل، وابتلاه بالحزن عليك، فهو كظيم. قال : فما قدر حزنه ؟ قال : حزن سبعين ثكلى. قال : فماذا له من الأجر يا جبرائيل ؟ قال : قدر مئة شهيد.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن ليث، عن ثابت البناني، قال : دخل جبرئيل على يوسف في السجن، فعرفه يوسف، قال : فأتاه فسلم عليه، فقال : أيها الملك الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، هل لك من علم بيعقوب ؟ قال : نعم. قال : أيها الملك الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، هل تدري ما فعل ؟ قال : ابيضت عيناه. قال : أيها الملك الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، ممّ ذاك ؟ قال : من الحزن عليك، قال : أيها الملك الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، وما بلغ من حزنه ؟ قال : حزن سبعين مثكلة. قال : أيها الملك الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، الكريم على ربه، هل له على ذلك من أجر ؟ قال : نعم أجر مئة شهيد.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السديّ، قال : أتى جبرئيل يوسف وهو في السجن فسلم عليه، وجاء في صورة رجل حسن الوجه طيب الريح نقيّ الثياب، فقال له يوسف : أيها الملك الحسن وجهه، الكريم على ربه، الطيب ريحه، حدّثني كيف يعقوب ؟ قال : حَزِن عليك حزنا شديدا. قال : وما بلغ من حزنه ؟ قال : حزن سبعين مُثْكَلة. قال : فما بلغ من أجره ؟ قال : أجر سبعين أو مئة شهيد. قال يوسف : فإلى من أَوَى بعدي ؟ قال : إلى أخيك بنيامين. قال : فتراني ألقاه أبدا ؟ قال : نعم. فبكى يوسف لِما لَقِيَ أبوه بعده، ثم قال : ما أبالي ما لقيت إنِ اللّهُ أرانيه.
قال : حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال : أتى جبرئيل يوسف وهو في السجن، فسلم عليه، فقال له يوسف : أيها الملك الكريم على ربه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، هل من علم بيعقوب ؟ قال : نعم ما أشدّ حزنه قال : أيها الملك الكريم على ربه، الطيب ريحه، الطاهر ثيابه، ماذا له من الأجر ؟ قال : أجر سبعين شهيدا. قال : أفتراني لاقيه ؟ قال : نعم. قال : فطابت نفس يوسف.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن ليث، عن سعيد بن جبير، قال : لما دخل يعقوب على الملك وحاجباه قد سقطا على عينيه، قال الملك : ما هذا ؟ قال : السنون والأحزان أو الهموم والأحزان، فقال ربه : يا يعقوب لم تشكوني إلى خلقي، ألم أفعل بك وأفعل ؟.
حدثنا حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن على الملك وحاجباه قد سقطا على عينيه، قال الملك : ما هذا ؟ قال : السنون والأحزان أو الهموم والأحزان، فقال ربه : يا يعقوب لم تشكوني إلى خلقي، ألم أفعل بك وأفعل ؟.
حدثنا حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن : كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى يوم رجع ثمانون سنة، لم يفارق الحزنُ قلبه، يبكي حتى ذهب بصره. قال الحسن : والله ما على الأرض يومئذٍ خليقة أكرم على الله من يعقوب ﷺ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى