السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني

عن الكتاب
﴿فلما دخلوا عليه﴾، أي : على يوسف عليه السلام ﴿قالوا يا أيها العزيز﴾ وكان العزيز لقباً لملك مصر يومئذ ﴿مسنا وأهلنا﴾، أي : من خلفناهم وراءنا ﴿الضر﴾، أي : لابسنا ملابسة نحسها ﴿وجئنا ببضاعة﴾ وقالوا ﴿مزجاة﴾ إمّا لنقصها أو لرداءتها أو لهما جميعاً. وقال الحسن : البضاعة المزجاة القليلة، واختلفوا في تلك الرداءة. فقال ابن عباس : كانت دراهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام، وقيل : متاع الأعراب الصوف والسمن، وقيل : الأقط، وقيل : النعال والأدم وقيل : إنّ دراهم مصر كان ينقش فيها صورة يوسف عليه السلام، والدراهم التي جاؤوا بها ما كان فيها ذلك فما كانت مقبولة عند الناس، ثم سببوا عن هذا الاعتذار ؛ لأنه أقرب إلى رحمة أهل الكرم قولهم :﴿فأوف لنا الكيل﴾، أي : شفقة علينا بسبب ضعفنا ﴿وتصدّق﴾، أي : تفضل ﴿علينا﴾ زيادة على الوفاء كما عودتنا بفضل ترجو ثوابه، ولما رأوا أفعاله تدل على تمسكه بدين الله تعالى عللوا ذلك بقولهم :﴿إنّ الله﴾، أي : الذي له الكمال كله ﴿يجزي المتصدّقين﴾، أي : وإن كانت على غني قوي، فكيف إذا كانت على أهل الحاجة والضعف.
فائدة : سئل سفيان بن عيينة هل حرمت الصدقة على نبي من الأنبياء سوى نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام ؟ قال سفيان : ألم تسمع قوله :﴿وتصدّق علينا. .﴾ الآية يريد أن الصدقة كانت حلالاً لهم ولأبيهم. وروي أنّ الحسن سمع رجلاً يقول : اللهم تصدّق عليّ قال : إنّ الله لا يتصدّق وإنما يتصدّق من يبغي الثواب قل : اللهم أعطني وتفضل عليّ.
فإن قيل : إذا كان أبوهم أمرهم أن يتحسسوا من يوسف وأخيه فلم عادوا إلى الشكوى ؟ أجيب : بأن المتحسس يتوصل إلى مطلوبه بجميع الطرق والاعتراف بالعجز، وضموا رقة الحال وقلة المال وشدّة الحاجة، وذلك مما يرقق القلب فقالوا : نجربه في هذه الأمور، فإن رق قلبه لنا ذكرنا له المقصود وإلا سكتنا، فقدّموا هذه المقدّمة قال أبو إسحاق : ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام أدركته الرقة على إخوته فارفض دمعه فباح بالذي كان يكتم فلهذا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى