الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿قَالُواْ يأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ في الآية متروك يستدلّ بسياق الكلام عليه تقديره : فجاؤوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها فدخلوا على يوسف، فقالوا له : يا أيّها العزيز، يا أيّها الملك بلغة حمير، ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ الشدّة والجوع ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ قليلة، رديئة ناقصة، كاسدة. لا تنفق في شيء من الطعام إلاّ [ يتوجبن ] من البائع فيها، وأصل الإزجاء السوق والدفع، قال الله تعالى :
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً﴾ [النور: ٤٣] قال النابغة الذبياني :
وهبّت الريحُ من تلقاء ذي أزلتُزجي مع الليلِ من صَرّادها صرما
وقال حاتم الطائي :
لَيبكِ على مَلِحان ضيفٌ مُدَفَّعٌوأرمَلةٌ تُزجي مع الليلِ أَرملا
وإنّما قيل للبضاعة : مزجاة لأنّها غير نافقة وإنّما يجوز تجويزاً على دفع من أخذها. وأمالها حمزة والكسائي وفخّمها الباقون.
واختلف المفسّرون في هذه البضاعة ما هي ؟ عكرمة عن عباس : كانت دراهم رديئة زيوفاً لا تنفق إلاّ بوضيعه بإذن عنه، يعني لا تنفق في الطعام ؛ لأنّه لا يُؤخذ في ثمن الطعام إلاّ الجيّد، ابن أبي مليكة : حبل خِلق الغرارة والحبل ورثة المتاع، عبدالله بن الحرث : متاع الأعراب، الصوف والسّمن، الكلبي ومقاتل وابن حيّان : الصنوبر وحبّة خضراء، سعيد بن جبير : دراهم [ قليلة ]، ابن اسحاق : قليلة لا تبلغ ما كان يشترى به إلاّ أن تتجاوز لنا فيها أحسن كانت أو أوطأ، جويبر عن الضحّاك : النعال والأدم، ورويَ عنه أنّها سويق المقل.
﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أي أعطنا بها ما كنت تُعطينا من قبل بالثمن الجيّد الوافي ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ وتفضّل علينا بما بين الثمنين الجيّد والرديء. ولا تنقصنا من السعر، هذا قول أكثر المفسّرين، وقال ابن جريج والضحّاك : تصدّق علينا بردّ أخينا إلينا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ قال الضحّاك : لم يقولوا : إنّ الله يجزيك أن تصدّقت علينا لأنّهم لم يعلموا أنّه مؤمن، قال عبدالجبار بن العلاء : سُئِلَ سفيان بن عُيينة : هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبيّنا ﷺ قال سفيان : ألم تسمع قوله :﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ﴾ أراد سفيان أنّ الصدقة كانت لهم حلالا وأنّها إنّما حُرّمت على نبيّنا ﷺ وروي أنّ الحسن البصري سمع رجلا يقول : اللهمّ تصدّق عليّ، فقال : يا هذا إنّ الله لا يتصدّق إنّما يتصدّق من يبغي الثواب، قل : اللهمّ أعطني أو تفضّل عليّ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى