صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ
هذا بيان للصراط المستقيم، أي المستوى الذي لا اعوجاج فيه، وهو معبد لا يقف السائر فيه بعثرة يعثرها و لا بحجارة تدعثره، فإعراب صراط الذين أنعمت عليهم بدل من الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ، يعمل فيها عامله اهدِنَا فمعنى النص الكريم اهدنا طريق الذين أنعمت عليهم.
وأصل النعمة ما يستلذه الإنسان أو يستطيبه، ولكنها هنا تفسر بأنها المنفعة التي تدوم، ويستطيبها القلب، سواء أكانت عاجلة أم آجلة، وسواء أكانت دنيوية أم كانت أخروية، وسواء أكانت مادية أم كانت روحية، وإن نعم الله تعالى على عباده لا يحصيها العد ولا يحيط بها الحصر، كما قال تعالى : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا... ٣٤ [ إبراهيم ] فهناك نعمة الخلق الإنساني القويم والتكوين الجسمي السليم الذي يوجد أحيانا الغرور عند غير المؤمنين، كما قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ٦ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ ٨ [ الانفطار ].
ومن النعم أن يمكنه من زخارف الحياة من لباس حسن يلبسه، وزخرفة باهرة يزخرف بها مسكنه، وطيب رائحة يطيب بها نفسه، ويقبل بها على جمعه، فهذه نعم ظاهرة و باطنة، فإن آمن بالنعم وشكر له، فإنها نعمة، وإن غره الغرور، وفاخر بها، واستطال على الناس فإنها عند الله النقمة.
و من النعم أن يحس بإشراق النفس و إخلاص القلب، و الاتجاه إلى الله تعالى، وأن يكون مستقيم الفكر، نير المدارك، ولا يضل، بل يهتدي بما أنعم، ومن النعم نعمة الإخلاص في القول والصدق فيه، وأن يعمل العمل، لا يعمله إلا لله، وأن يراقب الله في سره وجهره وعمله، حتى يصدق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم :( لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشيء لا يحبه إلا لله )١.
إذا كان المؤمن كذلك يكون ممن هداه الله إلى صراط الذين أنعم عليهم، كما قال تعالى : وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ٦٩ [ النساء ].
غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ المغضوب عليهم هم الذين ينزل عليهم غضب الله، ووراء غضبه عذابه إلا أن يتغمدهم الله برحمته فيتوبوا، والتوبة تجب ما قبلها، وبذلك لا يكون من المغضوب عليهم، بل ينخلعون منهم، وإنما الأعمال بخواتمها، وإنما المغضوب عليهم هم من انتهوا إلى ألا يتوبوا، وألا ينتهوا عما يوجب غضب الله تعالى.
والذين ينطبق عليهم غضب الله تعالى لدوام شرهم، وبقاء فسادهم حتى يلقوا ربهم، وهم على هذه الحال – الكافرون سواء أكانوا وثنيين، وكثير ما هم في الماضي والحاضر، أم كانوا من الذين أوتوا الكتاب كاليهود – لعنهم الله – ونصارى بولس الذين يعبدون المسيح، وهو بريء منهم، هؤلاء هم المغضوب عليهم ولا ريب في نزول غضب الله تعالى بهم إلى يوم القيامة غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم... ١٤ [ المجادلة ].
والضالون قال بعض العلماء إنهم النصارى لقوله تعالى : قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ٧٧ [ المائدة ] وإنه لينطبق عليهم بلا ريب وصف الضالين ؛ لأنهم عند تخليهم عن مبادئ المسيح أضلهم بولس وأشباهه، فضلوا، ثم أضلوا غيرهم من بعدهم، وكفروا بما جاء به المسيح، وضلوا ضلالا بعيدا، وكفروا، ولا يزالون يتيهون في أوهامهم، كما توهموا وأوهموا فيما سموه رؤية العذراء، وكذبوا وافتروا، وحاولوا الإضلال كثيرا.
ومع انطباق الضلال والتضليل عليهم أولى بهم ثم أولى أن يكونوا ممن غضب الله تعالى عليهم، فغضب الله تعالى يحيط بهم من كل جانب ؛ ولذلك نرى أن يدخلوا فيمن غضب الله تعالى عليه، ويصح أن نقول : إن فيهم الأمرين، فهم مغضوب عليهم وهم يضلون، ويضلون كثيرا إلى اليوم كما رأيت في أمر العذراء.
والضالون كما تدل الآية الكريمة هم الذين في حيرة من أمر اعتقادهم، لا يهتدون إلى عقيدة يطمئنون إليها ويستقرون عليها، وليسوا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء.. ولقد قيل أنهم المنافقون الذين ينطبق عليهم ذلك الوصف، وتلك الحال المضطربة. ولقد يكون ذلك من ناحية حالهم قريبا في ذاته ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصفهم بالاضطراب والحيرة، فقال صلى الله عليه وسلم :( مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين غنمين، إلى أيهما تذهب )٢، فالمنافق ضال حائر، لا يستقر على قرار، ولا يطمئن إلى إيمان أو كفر، والمنافقون كما وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء... ١٤٣ [ النساء ].
وهم أيضا موضع غضب الله تعالى ؛ لأنهم كفار كإخوانهم المغضوب عليهم، ولكنهم اختصوا بأنهم ليس لهم اعتقاد، فالمشركون لهم اعتقاد باطل، وكذلك النصارى واليهود يعتقدون اعتقادا باطلا ليس لهم سلطان ولا حجة في اعتقادهم.
٢ رواه مسلم في صفات المنافقين (٢٧٨٤)، وأحمد: مسند المكثرين من الصحابة (٥٠٥٩) والنسائي: كتاب الإيمان وشرائعه (٥٠٣٧)..
زهرة التفاسير
أبو زهرة