وذكره ابن كثير ثم قال: وهو إسناد حسن صحيح (١). وصححه أيضاً السيوطي (٢) والألباني (٣). كما ثبت أيضاً عن أبي العالية فيما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عاصم عن أبي العالية (٤).
وإسناده حسن.
قوله تعالى (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)
والذين أنعم الله عليهم هم: الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، قال الله تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) (٥).
قوله تعالى (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم)
والمغضوب عليهم هم: اليهود. قال الله تعالى فيهم (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) (٦). وقال أيضاً: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (٧).
وثبت ذلك أيضاً عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال الإمام أحمد: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن بديل العقيلي، أخبرني عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو بوادي القرى وهو على فرسه فسأله رجل من بني القين فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: من هؤلاء؟ قال: "هؤلاء المغضوب
_________
(١) ١/٤٣.
(٢) الجامع الصغير بشرح فيض القدير ٤/٢٥٤.
(٣) صحيح الجامع الصغير ٤/٤.
(٤) المصنف ١١/٣٦٧ رقم ٢٠٧٥٨.
(٥) سورة البقرة ٩٠.
(٦) سورة المائدة ٦٠، وانظر تفسير الطبري ١/١٨٥، وأضواء البيان ١/١٠٦.
(٧) التفسير رقم ١٩٨.
عليهم وأشار إلى اليهود. قال: فمن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الضالين يعني النصارى، قال وجاءه رجل فقال: استشهد مولاك أو قال غلامك فلان قال: بل يجر إلى النار في عباءة غلَّها (١). وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به وصححه أحمد شاكر (٢)، وذكر ابن كثير رواية ابن مردويه من طريق إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر مرفوعا مقتصرا على الشاهد (٣). وذكر الحافظ ابن حجر رواية ابن مردويه وحسن الإسناد (٤). وأخرجه أحمد (٥) والترمذي من طريق سماك بن حرب قال: سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم فذكره مرفوعا ومطولا، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب (٦). وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك أيضاً به (٧). ولكن الطبري أخرجه من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي مقتصرا على الشاهد (٨).
قوله تعالى (وَلا الضَّالِّينَ)
والضالون: هم النصارى كما قال تعالى: (وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (٩).
_________
(١) المسند ٥/٣٢، ٣٣ و٥/٧٧.
(٢) التفسير رقم ١٩٨.
(٣) التفسير ١/٤٦
(٤) فتح الباري ٨/١٥٩.
(٥) المسند ٤/٣٨٤، ٣٧٩.
(٦) السنن - التفسير - باب ومن سورة الفاتحة ٥/٢٠٢، ٢٠٣.
(٧) التفسير رقم ٤١.
(٨) التفسير رقم ٢٠٧.
(٩) سورة المائدة ٧٧.
وهؤلاء هم النصارى كما صرح بذلك الطبري (١) وابن كثير (٢)، بل قال ابن كثير: وأخص أوصاف النصارى الضلال. وأيضا فإن السياق يدل على أنهم النصارى لأن الآيات التي قبلها صريحة في النصارى قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيح... ) (٣). وقال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ... ) (٤). وثبت هذا التفسير عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن المراد بالضالين هم: النصارى. كما تقدم من حديث أبي ذر وعدي بن حاتم، وقال ابن أبي حاتم بعد أن ساق حديث عدي: ولا أعلم بين المفسرين في هذا الحرف اختلافا (٥). وقال أبو الليث السمرقندي: وقد أجمع المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود، والضالين أراد به النصارى (٦).
_________
(١) التفسير ١/٤٨٧.
(٢) التفسير ٣/١٤٨، ١٤٩.
(٣) سورة المائدة ٧٢.
(٤) سورة المائدة ٧٣.
(٥) التفسير ١/١٦٣.
(٦) بحر العلوم ١/٢٤٢.
ذكر آمين وفضلها
أخرج الشيخان بسنديهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا آمين، فمن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (١).
وأخرج مسلم بسنده عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: صليت مع أبي موسى الأشعري صلاة، فلما كان عند القعدة قال رجل من القوم: أُقرت (٢) الصلاة بالبر والزكاة؟ قال: فلما قضى أبو موسى الصلاة وسلم انصرف، فقال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ قال: فأرمَّ القوم (٣)، ثم قال: أيكم القائل كلمة كذا وكذا؟ فأرمَّ القوم فقال: لعلك ياحطان قلتها قال: ما قلتها ولقد رهبت أن تبكعني (٤)، بها فقال رجل من القوم أنا قلتها، ولم أرد بها إلا الخير، فقال أبو موسى: أما تعلمون كيف تقولون في صلاتكم؟ إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا، فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين. يجبكم الله.... (٥).
قال الإمام أحمد ثنا علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمر بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة قالت: بينا أنا عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
_________
(١) صحيح البخاري ٨/١٥٩ رقم ٤٤٧٥ - التفسير، باب غير المغضوب عليهم ولا الضالين وصحيح مسلم رقم ٤١٠ - الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين.
(٢) قوله: أُقرت أي قرنت بها وأقرت معهما.
(٣) قوله فأرمَّ القوم أي سكتوا ولم يجيبوا.
(٤) قوله: ولقد رهبت أن تبكعني بها: أي خفت أن تستقبلني بما أكره. قال ابن الأثير: البكع نحو التقريع، وفسره النووي بالتبكيت والتوبيخ. ا. هـ. وهذه المعاني أفدتها من حاشية صحيح مسلم.
(٥) الصحيح - الصلاة - باب التشهد في الصلاة رقم ٤٠٤.
إذ استأذن رجل من اليهود، فأذن له فقال: السام عليك، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وعليك. قالت: فهممت أن أتكلم، قالت: ثم دخل الثانية فقال مثل ذلك، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وعليك. قالت: ثم دخل الثالثة فقال: السام عليك، قالت: بل السام عليكم وغضب الله إخوان القردة والخنازير، أتحيون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما لم يحيه به الله؟ قالت: فنظر إليَّ فقال: مه إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، قالوا قولا فرددناه عليهم فلم يضرنا شيئا ولزمهم إلى يوم القيامة إنه لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها وعلى قولنا خلف الإمام آمين (١).
أخرجه ابن ماجة من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا مقتصرا على الشاهد بلفظ: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين" (٢).
وصحح المنذري (٣) والبوصيري (٤) إسناد ابن ماجة، وذكر المنذري أن الطبراني رواه في المعجم الأوسط بإسناد حسن وصححه مغلطاي (٥)، والألباني (٦).
وكلمة آمين ليست من القرآن الكريم.
_________
(١) المسند ٦/١٣٤، ١٣٥.
(٢) السنن رقم ٨٥٦ - إقامة الصلاة - باب الجهر بآمين.
(٣) الترغيب والترهيب ١/٣٢٨ - الصلاة، باب الترغيب في التأمين خلف الإمام.
(٤) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة ١/١٠٦.
(٥) انظر فيض القدير شرح الجامع الصغير ٥/٤٤٠-٤٤١.
(٦) صحيح سنن ابن ماجه ح ٦٩٧
سورة البقرة
فضائلها
أخرج مسلم بسنده عن معاوية (يعني: ابن سلام) عن زيد، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني أبو أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "اقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرأوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيابتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرأوا سورة البقرة. فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة"، وقال معاوية: بلغني أن البطلة السحرة.
(الصحيح - صلاة المسافرين - رقم ٨٠٤، ب قراءة القرآن وسورة البقرة).
وأخرج أيضاً بإسناده عن أبي هريرة، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر. إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة".
(الصحيح - صلاة المسافرين - رقم ٧٨٠، ب استحباب صلاة النافلة).
وأخرج الشيخان بسنديهما عن أسيد بن حضير قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه فلما اجتَّره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدّث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير، قال فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال وتدري ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك. ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين