ﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

أي : اصنعوا ما شئتم، ومعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم مستند إلى رصيد قوي من الإيمان بإله لا يهوله أن يستعد له الخصم ؛ فهو صلى الله عليه وسلم والذين معه لا يواجهون الخصم بذواتهم ؛ ولا بعددهم وعُددهم ؛ وإنما يواجهونه بالركن الركين الذي يستندون إليه، وهو الحق سبحانه وتعالى.
ونحن نرى في حياتنا اليومية أن أي قائد في معركة إنما يشعر بالثقة حين يصل إلى علمه أن مددا سوف يصله من الوطن الذي يحارب من أجله ؛ لأنه سيعزز من قوته، فما بالنا بالمدد الذي يأتي ممن لا ينفد ما عنده١ ؛ وممن لا يجير عليه أحد ؛ فهو يجير ولا يجار عليه.
ولذلك نلاحظ أن الأنبياء استظلوا بتلك المظلة، فموسى-عليه السلام- حين كاد الفرعون أن يلحق به ؛ ورأى قومه أن لا نجاة لهم ؛ فالبحر أمامهم والعدو وراءهم ؛ صرخوا : إنا لمدركون٢.. ( ٦١ ) [ الشعراء ]، لكن موسى- عليه السلام- يطمئنهم : كلا إن معي ربي سيهدين ( ٦٢ ) [ الشعراء ] : فموسى –عليه السلام- يعلم أنه مستند بقوة الله لا بقوة قومه، وأمده الله- سبحانه- بمعجزة جديدة : اضرب بعصاك البحر.. ( ٦٣ ) [ الشعراء ] : فينفلق البحر ؛ ليفسح بين مياهه طريقا يابسة ؛ وسار موسى عليه السلام وقومه، وفكر موسى في قطع السبيل على عدوه حتى لا يسير في نفس الطريق المشقوق بأمر الله عبر معجزة ضرب البحر بالعصا، وأراد موسى –عليه السلام- أن يضرب البحر ضربة ثانية ليعود البحر إلى حالة السيولة مرة أخرى، فيقول له الله- سبحانه : واترك البحر رهوا٣ إنهم جند مغرقون ( ٢٤ ) [ الدخان ]. أي : اتركه على ما هو عليه ؛ لينخدع فرعون ويسير في الطريق اليابسة، ثم يعيد الحق- سبحانه- البحر كما كان، وبذلك أنجى الحق -سبحانه- وأهلك بالشيء الواحد ؛ ٤ وهذه لا يقدر عليها غير الله- سبحانه وتعالى وحده.
وهكذا يهب الحق -سبحانه- المؤمنين به القدرة على تحدي الكافرين، والإيمان كله معركة من التحدي ؛ تحد في صدق الرسول كمبلغ عن الله، ومعه معجزة تدل على رسالته، وتحد في نصرة الرسول ومن معه من قلة مؤمنة، فيغلبون الكثرة الكافرة.
والحق- سبحانه يقول : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ( ٢٤٩ ) [ البقرة ] : وهكذا يشيع التحدي في معارك الإيمان.
وقد تميز كل رسول بمعجزة يتحدى بها أولا ؛ ثم ينتهي دورها ؛ لينزل له بعدها منهج من السماء ؛ ليبشر به قومه، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تميز بمعجزة لا تنتهي، وهي عين منهجه ؛ لأنه رسول إلى كل الأزمان وإلى كل الأمكنة٥ ؛ فكان لابد من معجزة تصاحب المنهج إلى يوم القيامة.
ولذلك نجد كل مؤمن بالرسالة المحمدية يقول : محمد رسول الله والقرآن معجزته إلى أن تقوم الساعة.
والحق –سبحانه- يقول هنا : وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم.. ( ١٢١ ) [ هود ].
ونحن نعلم أن كل كائن منا له مكان، أي : له حيز وجرم٦. ويقال : فلان له مكانة في القوم، أي : له مركز مرموق ؛ إذا خلا منه لا يستطيع غيره أن يشغله، وهو مكان يدل على الشرف والعظمة والسيادة والوجاهة ونباهة الشأن.
فقوله الحق : اعملوا على مكانتكم.. ( ١٢١ ) [ هود ] : أي : اعملوا٧ على قدر طاقتكم من عدة ومن عدد، فإن لمحمد صلى الله عليه وسلم ربا سيهديه وينصره، وفي هذا تهديد لهم ؛ وليس أمرا لهم ؛ لأنهم ككفار لن يمتثلوا لأمر من عدوهم.
ولو أنهم امتثلوا لأمر محمد ورب محمد لما كانوا كافرين ؛ بل لأصبحوا من الطائعين.
وحين يقول لهم –سبحانه- في آخر الآية : إنا عاملون ( ١٢١ ) [ هود ] : فمعنى ذلك أن كل ما في قدراتكم هو محدود لأنكم من الأغيار الأحداث٨ ؛ أما فعل الله- تعالى- فهو غير محدود ؛ لأنه- سبحانه- قديم أزلي لا تحده حدود، ولن يناقض عمل المحدث الحادث عمل القديم الأزلي، فقوة الحادث المحدث موهوبة له من غيره، أما قوة الحق- سبحانه- فهي ذاتية فيه.
ونحن نعلم أن أي عمل إنما يقاس بقوة فاعله، وخطأ المستقبلين لمنهج الله أنهم إذا جاء عمل ؛ نسوا من الذي عمِل العمل، ولو كان العمل من فعل البشر لحق للإنسان أن يتكلم، لكن إذا ما كان العمل من الله -تعالى- فليلزم الإنسان حدوده.
ومثال ذلك : هؤلاء الذين جادلوا في مسألة الإسراء التي قال فيها الحق –تبارك وتعالى : سبحان الذي أسرى٩ بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله١٠.. ( ١ ) [ الإسراء ].
وقالوا : إننا نضرب إليها أكباد الإبل شهرا، فكيف يقول إنه أتاها في ليلة. ؟
وكان الرد عليهم : إن محمدا لم يقل إنه سرى من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى بقوته هو، بل أسري به، والذي عمل ذلك هو الله –سبحانه- وليس محمدا، فيقسوا هذا العمل بقوة الله تعالى وليس بقوة محمد.

١ - يقول الحق سبحانه: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (٤) [الفتح]، ويقول تعالى في شأن غزوة حنين: ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها.. (٢٦) [التوبة]..
٢ - أدركه: لحقه، قال تعالى: حتى إذا أدركه الغرق..(٩٠) [يونس] على المجاز، كأن الغرق عدو مطارد لحق فرعون فأهلكه.
والدرك-بفتح الراء، وبسكونها- اسم مصدر بمغنى الإدراك واللحاق، قال تعالى: لا تخاف دركا ولا تخشى (٧٧) [طه] أي: لا تخاف أن يدركك فرعون وجنوده. [القاموس القويم: ١/ ٢٢٦]..

٣ - رها البحر يرهو رهوا: سكن فهو راه. ورهو: مصدر يوصف به بلفظه، قال تعالى: واترك البحر رهوا..(٢٤) [الدخان] ساكن الأمواج؛ ليغتروا، فينزلوا فيه، أو ساكن النفس، فهي حال من المفعول به وهو البحر، أو من الفاعل وهو الضمير المستتر "أنت" وهو موسى عليه السلام، أي: يكون هادئا مطمئنا إلى النجاة. [القاموس القويم: ١/ ٢٧٩]..
٤ - فالله سبحانه وتعالى أنجى موسى ومن معه، وأهلك فرعون وجنوده بالشيء الواحد، وهذا دليل على طلاقة القدرة..
٥ -عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" أخرجه مسلم في صحيحه [٥٢٣] كتاب المساجد..
٦ - الجرم: الجسد أو الجسم، وهو مجسم فيأخذ مكانا وحيزا في الوسط الذي هو فيه..
٧ - الأمر هنا للتهديد، وهو لون من ألوان علوم البلاغة..
٨ - الأحداث: الأشياء الحادثة، أي لم يكن لها وجود ثم وجدت، وتأتي عليها عوامل الفناء والتغير..
٩ - أسرى به: جعله يسري، أو حمله معه على السير ليلا. قال تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده..(١) [الإسراء] وهذا يشعر أن الله تعالى كان رفيقا للرسول صلى الله عليه وسلم معينا له في إسرائه، وقوله تعالى: فاسر بعبادي ليلا إنكم متبعون (٢٣) [الدخان] أمر الله سبحانه موسى عليه السلام أن يحمل قومه على الإسراء ويكون لهم دليلا ومعينا وهاديا. [القاموس القويم، ١/٣١٢] بتصرف..
١٠ - البركة: زيادة الخير والنماء والسعادة، قل تعالى: لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض..(٩٦) [الأعراف]، وبارك الله الشيء، وبارك فيه وعليه وحوله. قال تعالى: {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها..(٨) [النمل]، وقوله تعالى: {يوقد من شجرة مباركة زيتونة..(٣٥)[النور] أي: عظيمة الخير، كبيرة النفع. [القاموس القويم: [١/٦٥].
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير