ويقول الحق –سبحانه- بعد ذلك.
وانتظروا إنا منتظرون١ ( ١٢٢ ) :
في هذه الآية نلمس الوعيد والتهديد ؛ فالكافرون ينتظرون وعد الشيطان لهم، والمؤمنون ينتظرون وعد الرحمان لهم٢.
ولذلك سيقول المؤمنون للكافرين يوم القيامة : أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا.. ( ٤٤ ) [ الأعراف ] : وفي انتظار الكفار تهديد لهم، وفي انتظار المؤمنين تثبيت لقلوبهم، ولو لم تأت الأحداث المستقبلة كما قالها القرآن لتشك المؤمنون، ولكن المؤمنين لم يتشككوا، وهكذا نتأكد أن القول بالانتظار لم يكن ليصدر إلا من واثق بأن ما في هذا القول سوف يتحقق.
وقد جاء الواقع بما يؤيد بعض الأحداث التي جاءت في القرآن.
ألم ينزل قول الحق –سبحانه : سيهزم الجمع ويولون الدبر٣ ( ٤٥ ) [ القمر ] : وكان وقت نزول هذا القول الحكيم إبان ضعف البداية٤، حتى قال – عمر رضي الله عنه-٥ : أي جمع يهزم ؟ لأن عمر حينئذ كان يلمس ضعف حال المؤمنين، وعدم قدرة بعض المؤمنين على حماية نفسه، ثم تأتي غزوة بدر ؛ ليرى المؤمنون صدق ما تنبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن العجيب أنه صلى الله عليه وسلم خطط على الأرض مواقع مصرع بعض كبار الكافرين٦، بل وأماكن إصاباتهم، وجاء ذلك قرآنا يتلى على مر العصور، مثل قوله الحق : سنسمه على الخرطوم٧ ( ١٦ ) [ القلم ] : وهكذا شاء الحق –سبحانه- أن يأتي الوقع بما يؤيد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، كما شاء – سبحانه- أن ينزل على الرسول لقطات من قصص الرسل الذين سبقوه لشد أزره، وليثبت فؤاده، ويذكر المؤمنين فيزدادوا إيمانا.
٢ - يقول الحق سبحانه: وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم..(٢٢) [إبراهيم]..
٣ - ولى المحارب دبره: كناية عن فراره، قال تعالى: سيهزم الجمع ويولون الدبر (٤٥) [القمر] أي: ويفرون، وجمع الدبر: أدبار، قال تعالى: وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (١١١) [أل عمران] أي: يفرون منكم منهزمين، وقوله تعالى: سيهزم الجمع ويولون الدبر (٤٥) [القمر] أي: سيهزم الجيش الذي جمعوه، أو ستهزم جماعتهم. [القاموس القويم: ١/ ١٢٧] بتصرف..
٤ - قال ابن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين، نقله القرطبي في تفسيره [٩/٦٥٤٦]..
٥ - أورده ابن كثير في تفسيره معزوا إلى ابن أبي حاتم، قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع، وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر (٤٥) [القمر] فعرفت تأويلها يومئذ.
.
٦ - أخرج مسلم في صحيحه (٢٨٧٣) عن أنس بن مالك قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة، وأنشأ يحدثنا عن أهل بدر، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: "هذا مصرع فلان غدا إن شاء" قال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حد رسول الله صلى الله عليه وسلم" وكذا أخرجه أحمد في مسنده [٣/ ٢١٩، ٢٥٨] وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان "يضع يده على الأرض ههنا وههنا، فما أماط أحدهم عن موضع يد رسول الله..
٧ - الخرطوم: الأنف أو مقدم الأنف، والأنف رمز العزة عند العرب، ويقال: شم الأنوف أي: أعزاء، والوسم على الأنف، إذلال وإهانة، قال تعالى: سنسمه على الخرطوم (١٦) [القلم] أي: سنذله نهاية الإذلال، قيل: إن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة، وقد ضرب على أنفه بالسيف يوم بدر، قبل مقتله، فصدقت عليه الآية، وأخبرت بما سيحدث له قبل حدوثه، وقد أسلم من أبنائه اثنان، أحدهما سيدنا خالد بن الوليد سيف الله وفاتح العراق وقاهر الروم. [القاموس القويم: ١/١١٩]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي