ﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅ

المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أن من نقض عهد الله من بعد ميثاقه ولم يقر بوحدانيته وأنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في الدنيا ومعذب في الآخرة بيّن هنا أنه تعالى يبسط الرزق لبعض عباده ويضيقه على بعض آخر ما اقتضته حكمته وسابق علمه بعباده، ولا تعلق لذلك بإيمان ولا كفر، فربما وسع على الكافر استدراجا له وضيق على المؤمن زيادة في أجره، ثم ذكر مقالة لهم كثر في القرآن تردادها وهي طلبهم منه آية تدل على نبوته لإنكارهم أن يكون القرآن آية دالة على ذلك، ثم ذكر حال المؤمنين المتقين ومآلهم عند ربهم في جنات تجري من تحتها الأنهار.
ولما أبان أنهم قد انخدعوا بالسراب، واكتفوا بالحباب، ذكر ما ترتب على ذلك الغرور من اقتراحهم على رسوله صلى الله عليه وسلم الآيات فقال :
ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه أي ويقول الذين كفروا من أهل مكة كعبد الله بن أبيّ وأصحابه، هلا أنزل على محمد آية كما أرسل على الأنبياء والرسل السابقين كسقوط السماء عليهم كسفا، أو تحويل الصفا ذهبا، أو إزاحة الجبال من حول مكة حتى يصير مكانها مروجا وبساتين إلى نحو أولئك من الاقتراحات التي حكاها القرآن عنهم كقولهم : فليأتنا بآية كما أرسل الأولون [ الأنبياء : ٥ ] وكأنهم لفرط عنادهم وعظيم مكابرتهم قد ادعوا أن ما أتى به من باهر الآيات كالقرآن وغيره ليس عندهم من الآيات التي توجب الإذعان والإيمان أو التي لا تقبل شكا ولا جدلا.
ثم أمر رسوله أن يبين لهم أن إنزال الآيات لا دخل له في هداية ولا ضلال بل الأمر كله بيده.
قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب أي إنه لا فائدة لكم في نزول الآيات إن لم يرد الله هدايتكم فلا تشغلوا أنفسكم بها، ولكن تضرّعوا إليه واطلبوا منه الهداية، فإن الضلال والهداية بيده وإليه مقاليدها، وادعوه أن يهيئ لكم من أمره رشدا، وأن يمهد لكم وسائل النجاة والسعادة، ويدفع عنكم نزغات الشيطان ووساوسه، لتظفروا بالحسنى في الدارين.
والخلاصة : أن في القرآن وحده غنى عن كل آية، فلو أراد الله هدايتكم لصرف اختياركم إلى تحصيل أسبابها وكان لكم فيه مرشدا أيّما مرشد، ولكن الله جعلكم سادرين في الضلالة لا تلوون على شيء، ولا ينفعكم إرشاد ولا نصح، لسوء استعدادكم، وكثرة لجاجكم وعنادكم، ومن كانت هذه حاله فأنى له أن يهتدي ولو جاءته كل آية ؟ كما قال : وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون [ يونس : ١٠١ ] وقال : إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ٩٦ ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم [ يونس : ٩٦ -٩٧ ] وقال : ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون [ الأنعام : ١١١ ].

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير