وَيَقُولُ الذين كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رَّبّهِ أي يقول : أولئك المشركون من أهل مكة هلا أنزل على محمد آية من ربه ؟ وقد تقدّم تفسير هذا قريباً، وتكرر في مواضع قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بهذا، وهو أن الضلال بمشيئة الله سبحانه، من شاء أن يضله ضلّ كما ضلّ هؤلاء القائلون لولا أنزل عليه آية من ربه ، وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ أي : ويهدي إلى الحق، أو إلى الإسلام، أو إلى جنابه - عزّ وجلّ - مَنْ أَنَابَ : أي : من رجع إلى الله بالتوبة والإقلاع عما كان عليه، وأصل الإنابة الدخول في نوبة الخير. كذا قال النيسابوري.
وقد روي عن جماعة من السلف نحو ما قدّمنا ذكره من الأقوال، والأرجح تفسير الآية بما روي مرفوعاً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم كما أخرجه أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي عن عتبة ابن عبد قال :( جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله في الجنة فاكهة ؟ قال : نعم فيها شجرة تدعى طوبى ) الحديث. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والخطيب في تاريخه عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أن رجلاً قال : يا رسول الله، طوبى لمن رآك وآمن بك، قال :( طوبى لمن آمن بي ورآني، ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني )، فقال رجل : وما طوبى ؟ قال :( شجرة في الجنة مسير مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ) وفي الباب أحاديث وآثار عن السلف، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، اقرءوا إن شئتم وَظِلّ مَّمْدُودٍ ) [ الواقعة : ٣٠ ] وفي بعض الألفاظ ( إنها شجرة الخلد ) وأخرج أبو الشيخ عن السديّ وَحُسْنُ مَآبٍ قال : حسن منقلب. وأخرج ابن جرير عن الضحاك مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن قال : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حين صالح قريشاً كتب في الكتاب :( بسم الله الرحمن الرحيم، فقالت قريش : أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم، فقال أصحابه : دعنا نقاتلهم، فقال :( لا، ولكن اكتبوا كما يريدون ). وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج في هذه الآية نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وَإِلَيْهِ مَتَابِ قال : توبتي.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني