قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم : المعين فيه أجلك عند الله، وانقراض الناس كلهم، وهو النفخة الأولى عند الجمهور.
وهذه المخاطبة، وإن لم تكن بواسطة، لا تدل على منصب إبليس ؛ لأن خطاب الله له على سبيل الإهانة والإذلال. قاله البيضاوي. وجزم ابن العربي، في سراج المريدين، بأن كلام الحق تعالى إنما كان بواسطة، قال : لأن الله لا يكلم الكفار الذين هم من جند إبليس، فكيف يكلم من تولى إضلالهم. ه. وتردد المازُريُّ في ذلك وقال : لا قاطع في ذلك، وإنما فيه ظواهر، والظواهر لا تفيد اليقين. ثم قال : وأما قوله : ما منعك أن تسجد : فيحتمل أن يكون بواسطة أو بغيرها، تقول العرب : كلمت فلاناً مشافهة، بالكلام، وتارة بالبعث. ه. قلت : الظاهر أنه كلمه بلا واسطة من وراء حجاب، كلامَ عتابٍ وإهانة، كما يوبخ الكفار يوم القيامة، مع أن الواسطة محذوفة عند المحققين، وإن وُجِدَتْ صُورَةً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إنما يصعب الخضوع للجنس أو لمن دونه، في حق من يغلب حسه على معناه، وفرقُه على جمعه وأما من غلب معناه على حسه، حتى رأى الأشياء الحسية أواني حاملة للمعاني، أي : لمعاني أسرار الربوبية، بل رآها أنواراً بارزة من بحر الجبروت، لم يصعب عليه الخضوع لشيء من الأشياء ؛ لأنه يراها قائمة بالله، ولا وجود لها مع الله، فلا يخضع حينئذٍ إلا لله، فالملائكة - عليهم السلام - نفذت بصيرتهم، فرأوا آدم عليه السلام عليه قبلة للحضرة القدسية، فغلب عليهم شهود المعاني دون الوقوف مع الأواني، فخضعوا لآدم صورةً، ولله حقيقة. وإبليس وقف مع الحس، وحجب بالفرق عن الجمع، فلم ير إلا حس آدم معناه، فامتنع عن السجود، وفي الحِكَم العطائية :" فمن رأى الكون، ولم يشهد الحق فيه، أو عنده، أو قبله، أو بعده، أو معه، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار ". ولهذا المعنى صعب الخضوع للأشباح ؛ لغلبة الفرق على الناس، إلا من سبقت له العناية، فإنه يخضع مع الفرق ؛ محبة لله، حتى يفتح الله عليه في مقام الجمع، فيخضع لله وحده. والتوفيق لهذا، والسير على منهاجه ـ أعني الخضوع لمن يوصل إلى الله ـ هو الصراط الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله : هذا صراط عَلَيَّ مستقيم . والله تعالى أعلم.