(فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)
(الفاء) للدلالة على أن ما بعدها مترتب على ما قبلها، أي أنه ترتب على اقتسامهم للقرآن، وجعله متفرقا في زعمهم الباطل، وإيغالهم في الشرك والفساد إيغالا أضل عقولهم وأقوالهم وأعمالهم أن أقسم الله بربوبيته، ليسألن عما كانوا يعملون، وكان القسم بقوله تعالى: (فوَرَبِّكَ) للإشارة إلى أن ذلك من الحياطة لرسالتك وجزاء اقترافهم عليها وجحودهم لها.
وجواب القسم (لَنَسْألَنهُمْ أَجْمَعِينَ)، وقد أكد سؤالهم بـ (نون التوكيد)، وبـ (لام القسم)، وبكلمة (أَجْمَعِينَ)، أي أنه لَا يعزب أحد عن السؤال، وليس العقاب هو مجرد السؤال، وإنما العقاب ما وراء السؤال من عذاب، وذكر السؤال
لبيان أنهم محاسبون على كل ما يفعلون، وأن الله تعالى عنده علم كل شيء، وأسند السؤال إليه سبحانه؛ لبيان جلال الأمر، وعظم ما يرتكبون، وإن كانوا يلهون ويلعبون بما يفعلون، فالله لَا يتركهم، وما الله بغافل عما يعملون.
* * *
قال الله تعالى:
(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)
* * *
ابتدأت الدعوة المحمدية بإِعلانها بين أهل النبي - ﷺ - فكان أول من آمن خديجة، ثم علي بن أبي طالب، ثم زيد بن حارثة، ثم بين أصدقائه الذين يعرفون أمانته وفضل خلقه، وعظمة نفسه كأبي بكر، ثم أصدقائه كعثمان، وهكذا نبتت في خفاء كما نبتت البذرة في ركن مستور مغشى بلباب، حتى أمر اللَّه نبيه أن يجهر وسط عشيرته فقال: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)، فجمعهم وأنذرهم ومنهم من ردوا سيئا كأبي لهب، ولكن العبادة كانت في خفاء لا يخرج المؤمنون جهارا، والإيذاء مع ذلك يتوالى، حتى دخل بعض الأقوياء بأشخاصهم فوق شرفهم النسبي كحمزة بن عبد المطلب والفاروق عمر بنِ الخطاب، فكان الجهر وتلقي الأذى بالمجاهرة ونزل قوله تعالى:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة