وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا ; أَيْ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ) [النَّحْلِ: ٣٠].
(كَذَلِكَ يَجْزِي) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (طَيِّبِينَ) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ. وَ «يَقُولُونَ» حَالٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنِ اُعْبُدُوا) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «أَنْ» بِمَعْنَى أَيْ. وَأَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً.
(مَنْ هَدَى) : مَنْ: نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مُبْتَدَأٌ، وَمَا قَبْلَهَا الْخَبَرُ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ. وَلَا يَهْدِي: خَبَرُ إِنَّ. وَ «مَنْ يُضِلُّ» مَفْعُولُ يَهْدِي.
وَيُقْرَأُ «لَا يَهْدِي» بِضَمِّ الْيَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ «مَنْ يُضِلُّ» مُبْتَدَأٌ وَ «لَا يَهْدِي» خَبَرٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ «لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ» بِأَسْرِهِ خَبَرُ إِنَّ، كَقَوْلِكَ: إِنَّ زَيْدًا لَا يُضْرَبُ أَبُوهُ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠))
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَيَكُونُ) : يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ ; أَيْ فَهُوَ، وَبِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى نَقُولَ، وَجَعْلُهُ جَوَابَ الْأَمْرِ بَعِيدٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَقَرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا) : مُبْتَدَأٌ، وَ «لَنُبَوِّئَنَّهُمْ» الْخَبَرُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الْمَذْكُورُ.
(حَسَنَةً) : مَفْعُولٌ ثَانٍ لِنُبَوِّئَنَّهُمْ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَنُعْطِيَنَّهُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ ; أَيْ دَارًا حَسَنَةً ; لِأَنَّ بَوَّأْتَهُ أَنْزَلْتَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ صَبَرُوا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ هُمْ ; أَوْ نَصْبٍ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْنِي.
قَالَ تَعَالَى: (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْبَيِّنَاتِ) : فِيمَا تَتَعَلَّقُ الْبَاءُ بِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا: بِـ «نُوحِي» كَمَا تَقُولُ: أَوْحَى إِلَيْهِ بِحَقٍّ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ زَائِدَةً. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنَ الْقَائِمِ مَقَامَ الْفَاعِلِ وَهُوَ «إِلَيْهِمْ» وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَتَعَلَّقَ بِأَرْسَلْنَا ; أَيْ أَرْسَلْنَاهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ ; لِأَنَّ مَا قَبْلَ «إِلَّا» لَا يَعْمَلُ فِيمَا بَعْدَهَا إِذَا تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى إِلَّا وَمَا يَلِيهَا، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبُوا بِالنَّارِ جَارَتَهُمْ وَلَا يُعَذِّبُ إِلَّا اللَّهُ بِالنَّارِ
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي