ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

وهذه الآية امتداد للآية السابقة، ومعطوفة عليها؛ لأن الله تعالى ذكر فعلاً واحداً: وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: ٩]
ثم عطف عليه: وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الإسراء: ١٠]
إذن: فالآية داخلة في البشارة السابقة، ولكن كيف ذلك، والبشارة السابقة تُبشّر المؤمنين بأن لهم أجراً كبيراً، والبشارة إخبار بخيْر يأتي في المستقبل، فكيف تكون البشارة بالعذاب؟
قالوا: نعم، هذه بشارة على سبيل التهكُّم والاستهزاء بهم، كما

صفحة رقم 8393

قال تعالى في آية أخرى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة: ٣٤]
وكما قال الحق سبحانه متهكماً: ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم [الدخان: ٤٩]
وكما تقول للولد الذي أهمل فأخفق في الامتحان: مبروك عليك الفشل، أو تقول: بشِّر فلاناً بالرسوب.
وقد تكون البشارة للمؤمن بالجنة، وللكافر بالعذاب، كلاهما بشارة للمؤمن، فبشارة المؤمن بالجنة تسرُّه وتُسعده، وتجعله يستشرف ما ينتظره من نعيم الله في الآخرة.
وبشارة الكافر بالعذاب تسُرُّ المؤمن؛ لأنه لم يقع في مصيدة الكفر، وتزجر مَنْ لم يقع فيه وتُخيفه، وهذا رحمة به وإحسان إليه.
وهذا المعنى واضح في قول الحق سبحانه في سورة الرحمن: رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٧ - ٢٥]
فهذه كلها نِعَم من نعَم الله تعالى علينا، فناسب أن تُذيَّل بقوله

صفحة رقم 8394

تعالى: فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٨]
أما قوله تعالى: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٣٥ - ٣٦]
فأيُّ نعمة في أنْ يُرسل الله عليهما شواظ من نار ونحاس فلا ينتصران؟
نعم، المتأمل في هذه الآية يجد فيها نعمة من أعظم نِعَم الله، ألا وهي زَجْر العاصي عن المعصية، ومسرّة للطائع.
ثم يقول الحق سبحانه عن طبيعة الإنسان البشرية: وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير وَكَانَ الإنسان عَجُولاً.

صفحة رقم 8395

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

محمد متولي الشعراوي

الناشر مطابع أخبار اليوم
سنة النشر 1991
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية