ﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

دعاء غير الله :
من دعا غير الله، فقد عبد ما دعاه وهو في عبادته من الخاسرين.
" قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا.
أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، و يرجون رحمته، ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محذورا ".
المفردات :
( الدعاء ) : هو النداء لطلب شيء من المدعو، ولذلك لا يدعو إلا العاقل، أو ما نزل منزلته مجازا من الجمادات، أو ما كان له فهم لبعض الأصوات من العجماوات.
و إذا كان لشيء معظم، ليطلب منه ما هو وراء الأسباب العادية، وفوق الطاقة البشرية، فهو عبادة. ولا يكون إلا من المخلوق لخالقه، وإذا لم يكن كذلك فهو عادة، و هو دعاء المخلوقين بعضهم بعضا لغرض من الأغراض.
و( الزعم ) القول بغير دليل.
( ومن دونه ) أي غيره. ( والملك ) الاستلاء على الشيء، والتمكن من التصرف فيه.
( وكشف الضرر ) : إزالته.
( ولا تحويلا ) : نقلا له إلى شخص آخر.
التراكيب :
أمر بالدعاء لتوقيفهم على خيبتهم فيه بظهور عجز من يدعون. وحذف مفعولا زعم، والتقدير : زعمتموهم آلهة ؛ للعلم بهما ؛ لأنهم ما دعوهم إلا كونهم آلهة في زعمهم.
( ولا يملكون ) وقع بعد الفاء ولم يجزم في جواب الأمر ؛ لأنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره فهم لا يملكون، وهذا لأن الفاء قصد بها العطف، ولم يقصد بها السببية، و لا يصح أن تقصد بها السببية – لأن ذلك يقتضي أن يكون عدم ملكهم متسببا عن الدعاء، مثلها في قول الشاعر :
رب وفقني فلا أعدل عن سنن الساعين في خير سنن
فإن عدم العدول متسبب عن التوفيق.
وليس كذلك الأمر في هذه الآية ؛ فإن عدم ملكهم متحقق، سواء دعوا أم لم يدعوا.
فلذلك امتنع النصب ووجب الرفع على التقدير المتقدم.
المعنى :
قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك – الذين اتخذوا آلهة من دون الله فعبدوها - : ادعوا معبوداتكم هذه التي زعمتموها آلهة من دون الله، عندما ينزل بكم الضر، وانظروا :
هل تستطيع تلك المعبودات الباطلة أن تكشف و تزيل عنكم ذلك ؟
أو أن تحوله عنكم إلى غيركم ؟ فإنكم تجدونها عاجزة عن ذلك غير قادرة على شيء منه.
و إنما يقدر على ذلك الإله الحق، و هو الله الذي خلقها وخلقكم، فاعبدوه هو، و أقلعوا عن عبادة ودعاء ما سواه.
الأحكام :
تدل الآية على أن دعاء غير الله – تعالى – لدفع الضر، ومثله جلب النفع، عبادة للمدعو :
من الإشراك بالله دعوة غيره فإن المشركين كانوا يتعبدون لآلهتهم بهذا الدعاء، الذي نهاهم الله تعالى عنه ببيان خيبتهم فيه، ووقوعه في غير محله.
وتسمية الدعاء عبادة ثابتة لغة وشرعا بغير دليل :
منها حديث النعمان بن بشير عند أحمد و أصحاب السنن مرفوعا :" الدعاء هو العبادة ".
و حديث أنس عند الترمذي مرفوعا :" الدعاء مخ العبادة ".
وهذا لأن العبادة هي الخضوع والتذلل، لمن بيده الخلق والتصرف، و العطاء والمنع. ومظهر هذا الخضوع والتذلل هو الدعاء لدفع الضر، أو جلب النفع، فلذلك عبر عنه في الحديث الأول بأنه هو العبادة، أي معظمها.
وفي الثاني بأنه مخ العبادة أي خالصها.
الدعاء لله :
ودلت الآية أيضا على أنه لا يجوز دعاء غير الله من المخلوقين، أي مخلوق كان لدفع ضر، ومثله جلب نفع ؛ لأن الآية نعت على المشركين دعاءهم من لا يملك كشف الضر ولا تحويله، وهذا أمر يشترك فيه جميع المخلوقين، فلا مخلوق يستطيع كشف الضر أو تحويله عن نفسه ولا عن غيره.
فلا مخلوق يجوز دعاؤه.
النافع الضار هو الله :
ودلت على أن كشف الضر أو تحويله – ومثله جلب النفع – إنما هو للمعبود الحق، لأن الآية استدلت عليهم في مقام الأمر بتوحيد الله بالعبادة بانتفاء ملك كشف الضر أو تحويله عن غير الله، فأفاد ذلك قصر هذا التصرف عليه تعالى وحده.
استنتاج :
حكم من دعا غير الله :
لما ثبت شرعا، أن الدعاء عبادة – فمن دعا شيئا فقد عبده ولو كان هو لا يسمي دعاءه عبادة – جهلا منه، أو عنادا - ؛ لأن العبرة بتسمية الشرع واعتباره لا بتسمية المكلف واعتباره.
ألا ترى لو أن شخصا قام للصلاة بدون وضوء مستحلا لذلك، فلما أنكرنا عليه قال : إنني لا أعتبر هذه الأفعال و الأقوال عبادة، و لا أسميها صلاة. أترى ذلك يجيز فعله، ويدفع عنه تبعته ؟ ؟ كلا ! !و لا خلاف في ذلك بين المسلمين.
بل قد حكموا بردته إن كان يفعل ذلك و يراه حلالا، لأنه يكون قد أنكر معلوما من الدين بالضرورة.
فالداعي لغير الله تعالى يطلب منه قضاء حوائجه، قد عبد من دعاه و إن لم يعتبر دعاءه عبادة، لأن الله قد سماه عبادة.
و إذا استمر على فعله ذلك مستحلا له بعدم تعليمه و إرشاده، يكون قد أنكر معلوما من الدين بالضرورة، وهو أن العبادة – والدعاء منها – لا تكون إلا لله فيحكم بردته، نظير مستحل الصلاة بلا وضوء، بلا فارق.
تطبيق :
إذ علمت هذه الأحكام، فانظر إلى حالتنا معشر المسلمين الجزائريين، و غير الجزائريين تجد السواد الأعظم من عامتنا غارقا في هذا الضلال :
فتراهم يدعون من يعتقدون فيهم الصلاح من الأحياء والأموات، يسألونهم حوائجهم من دفع الضر، وجلب النفع، وتيسير الرزق، وإعطاء النسل، وإنزال الغيث، وغير ذلك مما يسألون.
و يذهبون إلى الأضرحة التي شيدت عليها القباب، أو ظلمت بها المساجد فيدعون من فيها، ويدقون قبورهم، وينذرون لهم. ويستشيرون حميتهم، بأنهم خدامهم و أتباعهم، فكيف يتركونهم ؟ ؟ و قد يهددونهم بقطع الزيارة، وحبس النزور.
و تراهم في ذل وخشوع و توجه، قد لا يكون في صلاة من يصلي منهم ! !
فأعمالهم هذه من دعائهم، وتوجههم كلها عبادة لأولئك المدعوين، و إن لم يعتقدوها عبادة، إذ العبرة باعتبار الشرع، لا باعتبارهم.
فيا حسرتنا على أنفسنا كيف لبسنا الدين لباسا مقلوبا، حتى أصبحنا في هذه الحالة السيئة من الضلال.
تحذير و إرشاد :
فليحذر قراؤنا من أن يتوجهوا بشيء من دعائهم لغير الله، وليحذروا غيرهم منه.
ولينشروا هذه الحقائق بين إخوانهم المسلمين، بما استطاعوا، عسى أن يتنبه الغافل، ويتعلم الجاهل، ويقلع الضالون عن ضلالهم، و لو بطريق التدريج ؛ وبذلك يكون قراؤنا قد أدوا أمانة العلم، وقاموا بفريضة النصح، و خدموا الإسلام والمسلمين.

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير