ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

(رَبُّكُمُ الَّذِي يُزجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِه)، وإزجاء الفلك سوقه وإجراؤه، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣).
فكلمة يزجي تتضمن أن اللَّه يسوق السفينة وأحمالها، وهو الذي يجريها في وسط الأمواج المتلاطمة، وهو سبحانه حفيظ عليها في وسط الرياح التي تهزها هزا، والأمواج التي تعلو حتى تكون كالجبال، وتهبط حتى تكون كأنها تسير على بساط الأرض.
وقال تعالى: (لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلهِ) ويصف سبحانه وتعالى الفلك بأنه الفلك المشحون، أي المملوء بالأمتعة والبضائع التي تنقلها من بلد إلى بلد، أو إقليم إلى إقليم.
وهنا نذكر معجزة للقرآن الكريم، في إخباره عما يكون في المستقبل، فكل ملم بالتاريخ يعلم أن المتاجر في بلاد العرب كانت تسير بالقوافل في باطن الصحراء، حتى كان المثل: الجمل سفينة الصحراء، ويندر من العرب من كان يرى

صفحة رقم 4419

البحر، ولكن القرآن تنبأ بأن الفلك ستكون هي الطريق لنقل البضائع من إقليم لإقليم، من أقصى الأرض إلى أقصاها، والآن نرى أن البلد يكون مقدار اقتصاده تبعا لمقدار سواحله، ومقدار المنشآت التي تمر بمراسيه، وتمخر عباب البحر إليه.
ولا تكاد تجد سورة من القرآن خلت من وصف البحر والجواري المنشآت، ولقد اطلع بعض البحارة على بعض تراجم القرآن - وإن لم تكن قرآنا - فعجب عندما علم أن محمد - ﷺ - لم يركب البحر، فآمن.
وقوله تعالى: (لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ)، أي لتطلبوا مبتغين مريدين بعض فضله، ومن هنا للتبعيض؛ لأن الفضل الذي يبتغى بالسفائن، إنما هو سبب واحد من أسباب الكسب الحلال، وهو الاتجار، ونقل البضائع بين الأمصار عمل ذي أخطار، وهناك فضل كثير للَّه غيره، فهناك الزراعة، وهناك استخراج المعادن من باطن الأرض، واللآلئ والجواهر من باطن البحار، فكل أولئك من رحمة اللَّه، ولذا ختم الآية بقوله تعالت كلماته ونعمه: (إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) الضمير يعود إلى (رَبُّكُمُ) الذي صدر به القول و (كَانَ) دالة على الاستمرار، وقدم (بِكمْ) على (رَحِيمًا) لكمال العناية بخلقه، وللاهتمام بالإنعام وبالرحمة بهم، فالإنسان محوط بنعمه مغمور بها، ولكن قليل الشكور من بين عباده، وكثير الكفور.
وإن اللَّه كما يجري السفائن في البحار يحفظ راكبيها من كل ضر يسببه ركوب البحار أو لَا يكون به، ولذا قال تعالى:

صفحة رقم 4420

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية