قوله : وَكَمْ أَهْلَكْنَا . " كَم " ١ مفعول مقدم٢، واجب التقديم، لأنَّ له مصدر الكلام، لأنها إمَّا استفهامية أو خبرية، وهي محمولة على الاستفهامية٣.
و " أهْلَكْنَا " متسلط على " كَمْ "، أي : كثير من القرون أهلكنا.
و " مِنْ قَرْنٍ " تمييز ل " كَمْ " مبين لها٤.
قوله : هُمْ أحْسَنُ في هذه الجملة وجهان :
أحدهما٥ : وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء : أنَّه٦ في محل نصب صفة ل " كَمْ " ٧ قال الزمخشري : ألا ترى أنك لو أسقطت " هُمْ " لم يكن بُدّ من نصب " أحْسَنُ " على الوصفية٨.
وفي هذا نظرٌ، لأنَّ النحويين نصوا على أنَّ " كَمْ " الاستفهامية والخبرية لا تُوصف ولا يُوصف بها٩.
الثاني : أنها في محل جرّ صفة ل " قَرْن "، ولا محذور في هذا١٠. وإنما جمع في قوله :" هُمْ "، لأنَّ " قَرْنٍ " وإنْ كَانَ لَفظهُ " ١١ مفرداً فمعناه جمع١٢، ف " قَرْن " كلفظ " جَمِيع "، و " جَمِيع " يجوز مراعاة لفظه تارة فيفرد١٣ كقوله تعالى نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ١٤، ومراعاة معناه أخرى فيجمع كقوله : لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ١٥ ١٦ [ يس : ٣٢ ].
فصل١٧
لمَّا ذكروا شبهتهم أجاب الله١٨ عنها بقوله : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً أي : متاعاً وأموالاً.
قوله :" ورئيا " ١٩ الجمهور على " رِئْياً " ٢٠ بهمزة ساكنة بعدها ياء صريحة وصلاً ووقفاً٢١. وحمزة إذا وقف يبدل هذه الهمزة ياء٢٢ على أصله في تخفيف الهمز، ثم له بعد ذلك وجهان٢٣ : الإظهار اعتباراً بالأصل، والإدغام اعتباراً باللفظ٢٤.
وفي الإظهار صعوبة لا تَخْفَى، وفي الإدغام إيهام أنَّها مادة أخرى، وهو الريُّ الذي هو بمعنى الامتلاء والنضارة، ولذلك ترك أبو عمرو أصله٢٥ في تخفيف الهمزة٢٦.
وقرأ قالون٢٧ عن نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر " ورِيًّا " بياء مشددة بعد الراء٢٨.
فقيل : هي مهموزة الأصل، ثم أبدلتِ الهمزةُ ياء، وأدغمتْ٢٩. والرِّئْيُ بالهمز٣٠ وقيل : من رؤية العين، وفعلٌ فيه معنى مفعول أي : مَرْئِيٌّ٣١. وقيل : من الرواء وحسن المنظر٣٢. وقيل : بل هو من الريّ ضد العطش، وليس مهموز الأصل٣٣، والمعنى : أحسن منظراً، لأنَّ الريّ والامتلاء أحسن من ضديهما، ومعناه الارتواء من النعمة٣٤، فإنَّ المُنْعم يظهر فيه ارتواء النعمة، والفقير يظهر عليه ذبول الفقر. وقرأ حميد٣٥ وأبو بكر٣٦ عن عاصم في رواية الأعمش : وَرِيْئَا " بياء ساكنة بعدها همزة٣٧ وهو مقلوب٣٨ من " رِئْياً " في قراءة العامة٣٩، ووزنه " فِلْع " ٤٠، وهو من وراءه يراؤه كقول الشاعر :
| وكُلُّ خليلٍ رَاءَنِي فَهُوَ قَائِلٌ | من أجْلِكِ٤١ هذا هامةُ٤٢ اليَوْمِ أوْ غَدِ٤٣ |
" وقرأ ابنُ عباس أيضاً في رواية طلحة " وَرِياً " بياء فقط مخففة٤٩، ولها وجهان :
أحدهما : أن يكون " ٥٠ أصلها كقراءة قالون٥١، ثم خففت الكلمة بحذف إحدى الياءين، وهي الثانية، لأنَّ بها حصل الثقل٥٢، ولأنها لام الكلمة، والأواخر أحرى بالتغيير٥٣.
والثاني : أن يكون أصلها كقراءة حميد " وَرَيْئاً " ٥٤ بالقلب، ثم نقل حركة الهمزة٥٥ إلى الياء قبلها، وحذف الهمزة على قاعدة تخفيف الهمزة بالنقل، فصار " وَرِياً " كما ترى٥٦. وتجاسر٥٧ بعضهم فجعل هذه القراءة لحناً، وليس اللاحن٥٨ غيره، لخفاء توجيهها عليه٥٩. وقرأ ابن عباس -أيضاً- وابن جبير وجماعة " وَزِياً " بزاي وياء مشددة٦٠.
والزِّيّ : البِزَّةُ٦١ الحسنة والآلات المجتمعة٦٢، لأنه٦٣ من زَوَى كذا يَزْوِيهِ، أي : يجمعه، والمتزين يجمع الأشياء التي تزينه وتظهر زيَّه٦٤.
٢ انظر الكشاف ٢/٤٢٠، البيان ٢/١٣٣، التبيان ٢/٨٧٩، البحر المحيط ٦/٢١٠..
٣ لزوم التصدير من الأمور التي تشترك فيها (كم) الخبرية والاستفهامية. المغني ١/١٨٣..
٤ انظر الكشاف ٢/٤٢٠، البحر المحيط ٦/٢١٠..
٥ أحدهما: سقط من ب..
٦ في ب: في أنها..
٧ الكشاف ٢/٢٤٠، التبيان ٢/٨٧٩.
.
٨ الكشاف ٢/٢٤٠..
٩ الأسماء التي لا تنعت ولا ينعت بها الضمير، أسماء الشرط، أسماء الاستفهام وكم الخبرية، وما التعجيبية، وقبل وبعد. المقرب ٢٢٤. البحر المحيط ٦/٢١٠..
١٠ انظر البحر المحيط ٦/٢١٠..
١١ ما بين القوسين مكرر في ب..
١٢ لأن القرن مشتمل على أفراد كثيرة، لأنه الأمة يجمعها العصر الواحد، واختلف في مدته فقيل: مائة سنة، وقيل: ثمانون، وقيل تسعون..
١٣ في ب: فيجمع ويفرد. وهو تحريف..
١٤ [القمر: ٤٤]..
١٥ [يس: ٣٢]..
١٦ انظر البحر المحيط ٦/٢١٠..
١٧ في ب: قوله "أثاثا"..
١٨ في ب: الله تعالى..
١٩ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٠ في ب: ريا. وهو تحريف..
٢١ السبعة (٤١١)، الحجة لابن خالويه (٢٣٩)، الكشف ٢/٩١. الإتحاف (٣٠٠)..
٢٢ في ب: فاء. وهو تحريف..
٢٣ في ب: وجهان أحدهما..
٢٤ الكشف ٢/٩١، الإتحاف ((/٦٥)..
٢٥ في ب: مثله..
٢٦ قال ابن الأنباري: (وكان من مذهب أبي عمرو ترك الهمزة الساكنة إلا في هذا الموضع، وقال: خفت أن يلتبس بالري من الماء فهمزت لأنه أريد حسن المنظر والشارة) البيان ٢/١٣٣..
٢٧ هو عيسى بن مينا بن وردان، أبو موسى الملقب قالون، قارئ المدينة، ونحويها، قرأ على نافع، وأخذ القراءة عرضا عن نافع، وأبي جعفر، وعرض على عيسى بن وردان، روى القراءة عنه إبراهيم، وأحمد ابناه، وإبراهيم بن الحسن الكسائي، وغيرهم. مات سنة ٢٢٠ هـ. طبقات القراء ١/٦١٥-٦١٦..
٢٨ السبعة (٤١١-٤١٢)، الحجة لابن خالويه (٢٣٩)، الكشف ٢/٩١، الإتحاف (٣٠٠)..
٢٩ أصل "وريّا" بياء مشددة بعد الراء "ورئيا" خففت الهمزة بإبدالها ياء، لسكونها وانكسار ما قبلها وأدغمت الياء المبدلة من الهمزة في الياء الثانية التي هي لام، فصار "وريّا"، لأنه في الأصل فعل من (رأيت). الكتاب ٣/٥٤٣-٥٤٤، المحتسب ٢/٤٤، البيان ٢/١٣٤، التبيان ٢/٨٨٠..
٣٠ في ب: الراء بالهمز. وهو تحريف..
٣١ لأن المصدر قد يجيء ويراد به المفعول، كقولهم: ضرب الأمير، أي: مضروبه. شرح المفصل ٦/٥٠..
٣٢ أي أنه يجوز أن يكون من الرواء، وهو ما يظهر من الزي في اللباس وغيره، فيكون أصله الهمز، ولكن خففت الهمزة، فأبدل منها ياء. الكشف ٢/٩١..
٣٣ فيكون أصل "وريّا" (ورِوْيٌ) من رويت، فأبدلت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وهي مفردة، وأدغمت الياء في الياء. المحتسب ٢/٤٤، التبيان ٢/٨٨٠، البحر المحيط ٦/٢١٠..
٣٤ في ب: النعم..
٣٥ في ب: أبو حميد. وهو تحريف. وهو حميد بن قيس الأعرج، أبو سفيان المكي، القارئ. أخذ القراءة عن مجاهد بن جبير، روى القراءة عنه سفيان بن عيينة، وأبو عمرو بن العلاء، وغيرهما، مات سنة ١٣٠ هـ. طبقات القراء ١/٢٦٥..
٣٦ تقدم..
٣٧ السبعة (٤١١)، تفسير ابن عطية ٩/٥٢٠، البحر المحيط ٦/٢١٠..
٣٨ القلب المكاني: هو تقديم بعض حروف الكلمة على بعض، مع اتفاق المعنى في الحالين كما في كلمة (أوباش)، فإنها مقلوبة عن كلمة (أوشاب)، وهما بمعنى واحد، وهم الأخلاط من الناس، والقلب في (ريئا) من (رئيا) بتقديم اللام على العين. القلب المكاني في ضوء الفكر اللغوي (٤-٥)..
٣٩ في ب: في قوله. وهو تحريف..
٤٠ البيان ٢/١٣٤، التبيان ٢/٨٨٠، البحر المحيط ٦/٢١٠-٢١١..
٤١ في ب: أجلد. وهو تحريف..
٤٢ في ب: عامة. وهو تحريف..
٤٣ البيت من بحر الطويل، قاله كثير عزة، اللسان (رأى، هوم)..
٤٤ هو يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي، أبو محمد اليزيدي، النحوي، المقرئ اللغوي، أخذ عن الخليل اللغة، والعروض، وكان أحد القراء الفصحاء العالمين بلغة العرب، والنحو، وصنف مختصرا في النحو، والمقصور والممدود، النقط والشكل، النوادر مات سنة ٢٠٢ هـ. بغية الوعاة ٦/٣٤٠..
٤٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٦ المختصر (٨٦)، البحر المحيط ٦/٢١١..
٤٧ ياء: سقط من ب..
٤٨ أي أن أصل (ورياء) و(رئاء)، خففت الهمزة الأولى بإبدالها ياء، لأن كل همزة مفتوحة وكان قبلها حرف مكسور، فإنك تبدل مكانها ياء في التخفيف، وذلك قولك في المئر: مير، وفي يريد أن يقرئك: يقريك ومن ذلك: من غلام يبيك، إذا أردت من غلام أبيك. الكتاب ٣/٥٤٣..
٤٩ المحتسب ٢/٤٣، البحر المحيط ٦/٢١١..
٥٠ ما بين القوسين سقط من ب..
٥١ "وريّا" بتشديد الياء..
٥٢ في ب: حذف النقل. وهو تحريف..
٥٣ في ب: بالتعيين. وهو تحريف..
٥٤ في ب: وريا. وهو تحريف..
٥٥ في ب: ثم سكن حركة الهمزة ونقلها. وهو تحريف..
٥٦ انظر المحتسب ٢/٤٤-٤٥، البحر المحيط ٦/٢١١..
٥٧ جسر على كذا يجسر جسارة وتجاسر عليه: أقدم، وتجاسر: تطاول. اللسان (جسر)..
٥٨ في ب: الآخر. وهو تحريف..
٥٩ انظر: البحر المحيط ٦/٢١١..
٦٠ المحتسب ٢/٤٤، البحر المحيط ٦/٢١١. وأصلها "زِوْي"، قلبت الواو ياء، لسكونها، وهي مفردة وانكسر ما قبلها وأدغمت الياء في الياء فصار "وَزِيّا" المحتسب ٢/٤٥، البيان ٢/١٣٤، التبيان ٢/٨٨٠،..
٦١ في ب: والزاي: العزة. وهو تحريف. والبَّزة: الهيئة والشارة واللّبسة. اللسان (بزز)..
٦٢ انظر البحر المحيط ٦/٢١١..
٦٣ في ب: لأن..
٦٤ انظر اللسان (زوى)..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود