قَالَ تَعَالَى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ) : هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ) [الْبَقَرَةِ: ٨٩] وَقَدْ ذَكَرَ. (الْكِتَابَ) مَفْعُولُ أُوتُوا وَ: «كِتَابَ اللَّهِ» مَفْعُولُ نَبَذَ. (كَأَنَّهُمْ) : هِيَ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ نَبَذَ، وَصَاحِبُ الْحَالِ فَرِيقٌ، تَقْدِيرُهُ مُشْبِهِينَ لِلْجُهَّالِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّبَعُوا) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «وَأُشْرِبُوا» أَوْ عَلَى «نَبَذَهُ فَرِيقٌ».
(تَتْلُو) : بِمَعْنَى تَلَتْ (عَلَى مُلْكِ) : أَيْ عَلَى زَمَنِ مُلْكٍ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَالْمَعْنَى فِي زَمَنِ.
وَ (سُلَيْمَانَ) : لَا يَنْصَرِفُ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ: الْعُجْمَةُ، وَالتَّعْرِيفُ وَالْأَلِفُ وَالنُّونُ. وَأَعَادَ ذِكْرَهُ ظَاهِرًا تَفْخِيمًا، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ فِي الْأَعْلَامِ وَالْأَجْنَاسِ أَيْضًا كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
| لَا أَرَى الْمَوْتَ يَسْبِقُ الْمَوْتَ شَيْءٌ | بَغَّضَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا |
وَيُقْرَأُ بِتَخْفِيفِهَا وَرَفْعِ الِاسْمِ بِالِابْتِدَاءِ ; لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حُرُوفِ الِابْتِدَاءِ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ: ((الشَّيَاطُونَ))، وَهُوَ كَالْغَلَطِ، شَبَّهَ فِيهِ الْيَاءَ قَبْلَ النُّونِ بِيَاءِ جَمْعِ التَّصْحِيحِ.
: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي كَفَرُوا ; وَأَجَازَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ لَكِنْ لَا يَعْمَلُ فِي الْحَالِ.
(وَمَا أُنْزِلَ) :«مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلَى السِّحْرِ ; أَيْ وَيُعَلِّمُونَ الَّذِي أُنْزِلَ، وَقِيلَ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى تَتْلُو. وَقِيلَ «مَا» فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ; أَيْ وَعَلَى عَهْدِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ.
وَقِيلَ مَا نَافِيَةٌ، أَيْ مَا أُنْزِلَ السِّحْرُ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، أَوْ وَمَا أُنْزِلَ إِبَاحَةُ السِّحْرِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ اللَّامِ مِنَ الْمَلَكَيْنِ، وَقُرِئَ بِكَسْرِهَا.
وَ (هَارُوتَ وَمَارُوتَ) : بَدَلَانِ مِنَ الْمَلَكَيْنِ.
وَقِيلَ هُمَا قَبِيلَتَانِ مِنَ الشَّيَاطِينِ ; فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونَانِ بَدَلَيْنِ مِنَ الْمَلَكَيْنِ، وَإِنَّمَا يَجِيءُ هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ كَسَرَ اللَّامَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
(بِبَابِلَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِأُنْزِلَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْمَلَكَيْنِ أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي أُنْزِلَ.
(حَتَّى يَقُولَا) : أَيْ إِلَى أَنْ يَقُولَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا يَتْرُكَانِ تَعْلِيمَ السِّحْرِ إِلَى أَنْ يَقُولَا (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ) وَقِيلَ حَتَّى بِمَعْنَى إِلَّا ; أَيْ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَنْ يَقُولَا.
وَ (أَحَدٍ) : هَاهُنَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُسْتَعْمَلَةَ فِي الْعُمُومِ ; كَقَوْلِكَ: مَا بِالدَّارِ مِنْ أَحَدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَاهُنَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ أَوْ إِنْسَانٍ. (
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى يُعَلِّمَانِ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي النَّفْيِ ; لِأَنَّ النَّفْيَ هُنَاكَ رَاجِعٌ إِلَى الْإِثْبَاتِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يُعَلِّمَانِ النَّاسَ السِّحْرَ بَعْدَ قَوْلِهِمَا. ((نَحْنُ فِتْنَةٌ)) ((فَيَتَعَلَّمُونَ)) وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَيَأْتُونَ فَيَتَعَلَّمُونَ.
((وَمِنْهُمَا)) ضَمِيرُ الْمَلَكَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ السِّحْرِ وَالْمُنَزَّلِ عَلَى الْمَلَكَيْنِ.
وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فَيَكُونُ مِنْهُمَا عَلَى هَذَا لِلسِّحْرِ وَالْمُنَزَّلِ عَلَى الْمَلَكَيْنِ أَوْ يَكُونُ ضَمِيرَ قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الشَّيَاطِينِ. وَقِيلَ: هُوَ مُسْتَأْنَفٌ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْتَصَبَ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى إِنْ تَكْفُرْ يَتَعَلَّمُوا. (مَا يُفَرِّقُونَ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ: «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَأَنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً لِعَوْدِ الضَّمِيرِ مِنْ: «بِهِ» إِلَى «مَا» وَالْمَصْدَرِيَّةُ لَا يَعُودُ عَلَيْهَا ضَمِيرٌ.
(بَيْنَ الْمَرْءِ) : الْجُمْهُورُ عَلَى إِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ بَعْدَ الرَّاءِ. وَقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَوَجْهُهُ أَنْ يَكُونَ أَلْقَى حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى الرَّاءِ، ثُمَّ نَوَى الْوَقْفَ عَلَيْهِ مُشَدَّدًا ; كَمَا قَالُوا: هَذَا خَالِدٌ، ثُمَّ أَجْرَوُا الْوَصْلَ مُجْرَى الْوَقْفِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) : الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، إِنْ شِئْتَ مِنَ الْفَاعِلِ، وَإِنْ شِئْتَ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا يَضُرُّونَ أَحَدًا بِالسِّحْرِ إِلَّا وَاللَّهُ عَالِمٌ بِهِ، أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِلَّا مَقْرُونًا بِإِذْنِ اللَّهِ. (وَلَا يَنْفَعُهُمْ) : هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْفِعْلِ قَبْلَهُ، وَدَخَلَتْ «لَا» لِلنَّفْيِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا ; أَيْ وَهُوَ لَا يَنْفَعُهُمْ، فَيَكُونُ حَالًا، وَلَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى مَا ; لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُعْطَفُ عَلَى الِاسْمِ.
(لَمَنِ اشْتَرَاهُ) : اللَّامُ هُنَا هِيَ الَّتِي يُوَطَّأُ بِهَا لِلْقَسَمِ، مِثْلُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ((لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ)). وَ (مَنْ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَهِيَ شَرْطٌ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ: (مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ) وَقِيلَ: (مَنْ) : بِمَعْنَى الَّذِي ; وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ مَوْضِعُ الْجُمْلَةِ نَصْبٌ بِـ (عَلِمُوا)، وَلَا يَعْمَلُ «عَلِمُوا» فِي لَفْظِ «مَنْ» ; لِأَنَّ الشَّرْطَ وَلَامَ الِابْتِدَاءِ لَهُمَا صَدْرُ الْكَلَامِ.
(وَلَبِئْسَ مَا) : جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. (لَوْ كَانُوا) : جَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَوْ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِعِلْمِهِمْ لَامْتَنَعُوا مِنْ شِرَاءِ السِّحْرِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا) : أَنَّ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ; لِأَنَّ «لَوْ» تَقْتَضِي الْفِعْلَ تَقْدِيرُهُ لَوْ وَقَعَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ آمَنُوا ; أَيْ إِيمَانُهُمْ، وَلَمْ يَجْزِمْ بِلَوْ ; لِأَنَّهَا تُعَلِّقُ الْفِعْلَ الْمَاضِيَ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي، وَالشَّرْطُ خِلَافُ ذَلِكَ.
(لَمَثُوبَةٌ) : جَوَابُ لَوْ ; وَمَثُوبَةٌ مُبْتَدَأٌ وَ: «مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» صِفَتُهُ، وَ: «خَيْرٌ» خَبَرُهُ.
وَقُرِئَ: مَثْوَبَةٌ، بِسُكُونِ الثَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ، قَاسُوهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ نَظَائِرِهِ نَحْوَ مَقْتَلَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا........ (١٠٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَاعِنَا) : فِعْلُ أَمْرٍ، وَمَوْضِعُ الْجُمْلَةِ نَصْبٌ بِـ (تَقُولُوا).
وَقُرِئَ شَاذًّا «رَاعِنًا» بِالتَّنْوِينِ ; أَيْ لَا تَقُولُوا قَوْلًا رَاعِنًا.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي