وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «أُمَّةً» مَفْعُولًا أَوَّلَ، «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا» نَعْتًا لِأُمَّةٍ تَقَدَّمَ عَلَيْهَا فَانْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ، وَمُسْلِمَةً مَفْعُولًا ثَانِيًا، وَالْوَاوُ دَاخِلَةٌ فِي الْأَصْلِ عَلَى أُمَّةٍ، وَقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا) : وَهُوَ جَائِزٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْكَلَامِ الْمَعْطُوفِ. (وَأَرِنَا) : الْأَصْلُ أَرْئِنَا ; فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ الَّتِي هِيَ عَيْنُ الْكَلِمَةِ فِي جَمِيعِ تَصَارِيفِ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ تَخْفِيفًا وَصَارَتِ الرَّاءُ مُتَحَرِّكَةً بِحَرَكَةِ الْهَمْزَةِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الرَّاءِ وَقُرِئَ بِإِسْكَانِهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْكَسْرَةَ هُنَا تَدُلُّ عَلَى الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ وَوَجْهُ الْإِسْكَانِ أَنْ يَكُونَ شَبَّهَ الْمُنْفَصِلَ بِالْمُتَّصِلِ فَسَكَنَ كَمَا سَكَنَ فَخِذٌ وَكَتِفٌ وَقِيلَ لَمْ يَضْبُطِ الرَّاوِي عَنِ الْقَارِئِ لِأَنَّ الْقَارِئَ اخْتَلَسَ فَظَنَّ أَنَّهُ سَكَّنَ وَوَاحِدُ الْمَنَاسِكِ مَنْسَكٌ وَمَنْسَكٌ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا.
قَالَ تَعَالَى رَبنَا وَابعث فيهم رَسُولا مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِم آياتك
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَابْعَثْ فِيهِمْ) ذُكِرَ عَلَى مَعْنَى الْأُمَّةِ وَلَوْ قَالَ فِيهَا لَرَجَعَ إِلَى لَفْظِ الْأُمَّةِ: يَتْلُو عَلَيْهِمْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِرَسُولٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي مِنْهُمْ، وَالْعَامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَرْغَبُ) : مَنِ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ ; وَلِذَلِكَ جَاءَتْ إِلَّا بَعْدَهَا ; لِأَنَّ الْمُنْكَرَ مَنْفِيٌّ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَيَرْغَبُ الْخَبَرُ، وَفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى مَنْ (إِلَّا مَنْ) مَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَرْغَبُ. وَمَنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي
وَ (نَفْسَهُ) : مَفْعُولُ سَفِهَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ جَهِلَ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا مَنْ جَهِلَ خَلْقَ نَفْسِهِ أَوْ مَصِيرَهَا، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ سَفِهَ بِالتَّشْدِيدِ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ فِي نَفْسِهِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ هُوَ تَمْيِيزٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِكَوْنِهِ مَعْرِفَةً.
(فِي الْآخِرَةِ) : مُتَعَلِّقٌ بِالصَّالِحِينَ ; أَيْ وَإِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ فِي الْآخِرَةِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَى هَذَا لِلتَّعْرِيفِ، لَا بِمَعْنَى الَّذِي ; لِأَنَّكَ لَوْ جَعَلْتَهَا بِمَعْنَى الَّذِي لَقَدَّمْتَ الصِّلَةَ عَلَى الْمَوْصُولِ. وَقِيلَ هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَفِي مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُبَيِّنُهُ «الصَّالِحِينَ» تَقْدِيرُهُ إِنَّهُ لَصَالِحٌ فِي الْآخِرَةِ، وَهَذَا يُسَمَّى التَّبْيِينُ وَنَظِيرُهُ.
رَبَّيْتُهُ حَتَّى إِذَا تَمَعْدَدَا كَانَ جَزَائِي بِالْعَصَا أَنْ أُجْلَدَا تَقْدِيرُهُ: كَانَ جَزَائِي الْجَلْدُ بِالْعَصَا، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَالشِّعْرِ.
قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ قَالَ لَهُ إِذْ ظَرْفٌ «لِاصْطَفَيْنَاهُ»، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إِذْ قَالَ: (لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) : مُقْتَضَى هَذَا اللَّفْظِ أَنْ يَقُولَ أَسْلَمْتُ لَكَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الرَّبِّ إِلَّا أَنَّهُ أَوْقَعَ الْمُظْهَرَ مَوْقِعَ الْمُضْمَرِ تَعْظِيمًا لِأَنَّ فِيهِ مَا لَيْسَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ رَبُّهُ وَفِي اللَّفْظِ الثَّانِي اعْتِرَافُهُ بِأَنَّهُ رَبُّ الْجَمِيعِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَوَصَّى بِهَا) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ [مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ]، وَأَوْصَى بِالْأَلِفِ ; وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ،
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي