وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَنَظِيرُ زِيَادَةِ الْبَاءِ هُنَا زِيَادَتُهَا فِي قَوْلِهِ: (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا) وَقِيلَ مِثْلُ هُنَا زَائِدَةٌ وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ بِإِسْقَاطِ مِثْلٍ.
قَالَ تَعَالَى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً (١٣٨)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (صِبْغَةَ اللَّهِ) : الصِّبْغَةُ هُنَا: الدِّينُ، وَانْتِصَابُهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ; أَيِ اتَّبِعُوا دِينَ اللَّهِ.
وَقِيلَ هُوَ إِغْرَاءٌ ; أَيْ عَلَيْكُمْ دِينَ اللَّهِ. وَقِيلَ هُوَ بَدَلٌ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ. (وَمَنْ أَحْسَنُ) : مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ. وَ (مِنَ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَ (صِبْغَةَ) : تَمْيِيزٌ.
قَالَ تَعَالَى: (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ يَقُولُونَ) يُقْرَأُ بِالْيَاءِ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) [الْبَقَرَةِ: ١٣٧] وَبِالتَّاءِ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: (أَتُحَاجُّونَنَا) [الْبَقَرَةِ: ١٣٩].
(هُودًا أَوْ نَصَارَى) : أَوْ هَاهُنَا مَثَّلَهَا فِي قَوْلِهِ: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى) [الْبَقَرَةِ: ١٣٥] أَيْ قَالَتِ الْيَهُودُ: كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ هُودًا، وَقَالَتِ النَّصَارَى: كَانُوا نَصَارَى. (
أَمِ اللَّهُ) : مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ أَمِ اللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمْ هَاهُنَا الْمُتَّصِلَةُ ; أَيْ أَيِّكُمْ أَعْلَمُ، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ. (كَتَمَ شَهَادَةً) : كَتَمَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَقَدْ حُذِفَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا هُنَا تَقْدِيرُهُ: كَتَمَ النَّاسَ شَهَادَةً فَعَلَى هَذَا يَكُونُ «عِنْدَهُ» صِفَةٌ لِشَهَادَةٍ، وَكَذَلِكَ «مَنَّ اللَّهُ» وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعَلَّقَ مَنْ بِشَهَادَةٍ ; لِئَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ بِالصِّفَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ عِنْدَهُ، وَمِنَ اللَّهِ، صِفَتَيْنِ لِشَهَادَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَ مِنْ ظَرْفًا لِلْعَامِلِ فِي الظَّرْفِ الْأَوَّلِ، وَأَنْ تَجْعَلَهَا حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي عِنْدَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا....... (١٤٢)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) : مِنَ النَّاسِ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ يَقُولُ. (مَا وَلَّاهُمْ) : ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْقَوْلِ.
(كَانُوا عَلَيْهَا) : فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ; تَقْدِيرُهُ: عَلَى تَوَجُّهِهَا أَوْ عَلَى اعْتِقَادِهَا.
قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وَمِثْلُ هِدَايَتِنَا مَنْ نَشَاءُ، جَعَلْنَاكُمْ، وَجَعَلْنَا بِمَنْزِلَةِ صَيَّرْنَا.
وَ (عَلَى النَّاسِ) : يَتَعَلَّقُ بِشُهَدَاءَ. (الْقِبْلَةَ) : هِيَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي
مَحْذُوفٌ، وَ «الَّتِي» صِفَةُ ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الْقِبْلَةَ الَّتِي ; وَقِيلَ الَّتِي صِفَةٌ لِلْقِبْلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا قِبْلَةً. (
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي