وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ تَكُونَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْمَيْتَةُ خَبَرُ إِنَّ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: حَرَّمَهُ اللَّهُ. وَيُقْرَأُ حُرِّمَ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْمَيْتَةُ خَبَرَ إِنَّ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَافَّةً وَالْمَيْتَةُ الْمَفْعُولَ الْقَائِمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ.
وَالْأَصْلُ الْمَيِّتَةُ بِالتَّشْدِيدِ ; لِأَنَّ بِنَاءَهُ فَيْعَلَةٌ، وَالْأَصْلُ مَيْوَتَةٌ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْيَاءُ وَالْوَاوُ وَسَبَقَتِ الْأُولَى بِالسُّكُونِ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ أَخْرَجَهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ خَفَّفَ حَذَفَ الْوَاوَ الَّتِي هِيَ عَيْنٌ، وَمِثْلُهُ سَيْدٌ وَهَيْنٌ فِي سَيِّدٍ وَهَيِّنٍ.
وَلَامُ (وَالدَّمَ) : يَاءٌ مَحْذُوفَةٌ حُذِفَتْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ.
وَالنُّونُ فِي (خِنْزِيرٍ) أَصْلٌ، وَهُوَ عَلَى مِثَالٍ غَرِيبٍ ; وَقِيلَ هِيَ زَائِدَةٌ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَزْرِ. (فَمَنِ اضْطُرَّ) : مَنْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ وَهِيَ شَرْطٌ، وَاضْطُرَّ فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِهَا، وَالْجَوَابُ «فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَنْ بِمَعْنَى الَّذِي.
وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ النُّونِ عَلَى أَصْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَبِضَمِّهَا إِتْبَاعًا لِضَمَّةِ الطَّاءِ، وَالْحَاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ لِسُكُونِهِ وَضُمَّتِ الطَّاءُ عَلَى الْأَصْلِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ اضْطُرِرَ.
وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ الطَّاءِ ; وَوَجْهُهَا أَنَّهُ نَقَلَ كَسْرَةَ الرَّاءِ إِلَيْهَا.
(غَيْرَ بَاغٍ) : نُصِبَ عَلَى الْحَالِ.
(وَلَا عَادٍ) : مَعْطُوفٌ عَلَى بَاغٍ، وَلَوْ جَاءَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ غَيْرَ جَازَ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْكِتَابِ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْعَائِدِ الْمَحْذُوفِ ; أَيْ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ كَائِنًا مِنَ الْكِتَابِ. وَ (إِلَّا النَّارَ) : مَفْعُولُ «يَأْكُلُونَ». (فِي بُطُونِهِمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ النَّارِ تَقْدِيرُهُ مَا يَأْكُلُونَ إِلَّا النَّارَ ثَابِتَةً أَوْ كَائِنَةً فِي بُطُونِهِمْ، وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْحَالُ مُقَدَّرَةً ; لِأَنَّهَا وَقْتَ الْأَكْلِ لَيْسَتْ فِي بُطُونِهِمْ، وَإِنَّمَا يَئُولُ إِلَى ذَلِكَ، وَالْجَيِّدُ أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِيَأْكُلُونِ، وَفِيهِ تَقْدِيرُ حَذْفِ مُضَافٍ ; أَيْ فِي طَرِيقِ بُطُونِهِمْ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْحَالِ عَلَى حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا وَفِي بُطُونِهِمْ حَالًا مِنْهُ أَوْ صِفَةً لَهُ ; أَيْ فِي بُطُونِهِمْ شَيْئًا، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْمَعْنَى عَلَى الْمَجَازِ وَلِلْإِعْرَابِ حُكْمُ اللَّفْظِ.
قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَا أَصْبَرَهُمْ) :«مَا» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَالْكَلَامُ تَعَجُبٌ عَجَّبَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَصْبَرَ فِعْلٌ فِيهِ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ، وَهُوَ الْعَائِدُ عَلَى مَا.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامًا هُنَا، وَحُكْمُهَا فِي الْإِعْرَابِ كَحُكْمِهَا إِذَا كَانَتْ تَعَجُّبًا، وَهِيَ نَكِرَةٌ غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ تَامَّةٌ بِنَفْسِهَا.
وَقِيلَ هِيَ نَفْيٌ أَيْ فَمَا أَصْبَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ...... (١٧٦)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «بِأَنَّ اللَّهَ» الْخَبَرُ ; وَالتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ الْعَذَابُ مُسْتَحَقٌّ بِمَا نَزَّلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ اسْتِحْقَاقِ عُقُوبَةِ الْكَافِرِ فَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي