وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ) «مَعَهُمْ» فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْكِتَابِ ; أَيْ وَأَنْزَلَ الْكِتَابَ شَاهِدًا لَهُمْ وَمُؤَيِّدًا، وَالْكِتَابُ جِنْسٌ أَوْ مُفْرَدٌ فِي مَوْضِعِ الْجَمْعِ.
(وَبِالْحَقِّ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْكِتَابِ ; أَيْ مُشْتَمِلًا عَلَى الْحَقِّ وَمُمْتَزِجًا بِالْحَقِّ. (لِيَحْكُمَ) : اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَنْزَلَ، وَفَاعِلُ (يَحْكُمُ) : اللَّهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ.
(مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ) : مِنْ تَتَعَلَّقُ بِاخْتَلَفَ، وَلَا يَمْنَعُ إِلَّا مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُ مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَ (بَغْيًا) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ اخْتَلَفَ.
مِنَ الْحَقِّ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ فِي «فِيهِ». وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْ مَا.
(بِإِذْنِهِ) : حَالٌ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ; أَيْ مَأْذُونًا لَهُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِهَدَى ; أَيْ هُدَاهُمْ بِأَمْرِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَمْ حَسِبْتُمْ) : أَمْ بِمَنْزِلَةِ بَلْ وَالْهَمْزَةُ، فَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ.
وَ (أَنْ تَدْخُلُوا) : أَنْ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ تَسُدُّ مَسَدَّ الْمَفْعُولَيْنِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ.
وَعِنْدَ الْأَخْفَشِ الْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ. (وَلَمَّا) : هُنَا: لَمْ دَخَلَتْ عَلَيْهَا «مَا» وَبَقِيَ جَزْمُهَا.
(مَسَّتْهُمُ) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَا مَوْضِعَ لَهَا، وَهِيَ شَارِحَةٌ لِأَحْوَالِهِمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ تُضْمِرَ مَعَهَا قَدْ فَتَكُونُ حَالًا.
(حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ) : يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِلَى أَنْ يَقُولَ الرَّسُولُ فَهُوَ غَايَةٌ، وَالْفِعْلُ هُنَا مُسْتَقْبَلٌ حُكِيَتْ بِهِ حَالُهُمْ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْمُضِيِّ ; وَالتَّقْدِيرُ: إِلَى أَنْ قَالَ الرَّسُولُ. وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَزُلْزِلُوا فَقَالَ الرَّسُولُ ; فَالزَّلْزَلَةُ سَبَبُ الْقَوْلِ، وَكِلَا الْفِعْلَيْنِ مَاضٍ فَلَمْ تَعْمَلْ فِيهِ حَتَّى.
(مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) : الْجُمْلَةُ وَمَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْقَوْلِ، وَفِي هَذَا الْكَلَامِ إِجْمَالٌ، وَتَفْصِيلُهُ أَنَّ أَتْبَاعَ الرَّسُولِ قَالُوا مَتَى نَصْرُ اللَّهِ فَقَالَ الرَّسُولُ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ، وَمَوْضِعُ مَتَى رَفْعٌ لِأَنَّهُ خَبَرُ الْمَصْدَرِ وَعَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ مَوْضِعُهُ نَصْبٌ عَلَى الظَّرْفِ وَنَصْرٌ مَرْفُوعٌ بِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ) : يَجُوزُ أَنْ تُلْقِيَ حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ عَلَى السِّينِ وَتَحْذِفَهَا وَمَنْ قَالَ سَأَلَ فَجَعَلَهَا أَلِفًا مُبْدَلَةً مِنْ وَلَوْ قَالَ يَسْأَلُونَكَ مِثْلُ يَخَافُونَكَ. (مَاذَا يُنْفِقُونَ) : فِي مَاذَا مَذْهَبَانِ لِلْعَرَبِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تجْعَلَ مَا اسْتِفْهَامًا بِمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ وَذَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَيُنْفِقُونَ صِلَتُهُ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، فَتَكُونُ مَا مُبْتَدَأٌ، وَذَا وَصِلَتُهُ خَبَرًا، وَلَا تجْعَلُ ذَا بِمَعْنَى الَّذِي إِلَّا مَعَ: «مَا» عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِ مَا.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنْ تجْعَلَ «مَا» وَ «ذَا» بِمَنْزِلَةِ اسْمٍ وَاحِدٍ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَمَوْضِعُهُ هُنَا نَصْبٌ بِيُنْفِقُونَ، وَمَوْضِعُ الْجُمْلَةِ نَصْبٌ بِيَسْأَلُونَ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي