ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

١٨ - قال الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج الإمام أحمد والدارمي ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوهن ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) حتى فرغ من الآية فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول اللَّه، إن اليهود قالت: كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أنه لم يجد عليهما.
٢ - أخرج الدارمي عن عكرمة قال: كان أهل الجاهلية يصنعون في

صفحة رقم 268

الحائض نحواً من صنيع المجوس فذكر ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنزلت: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) فلم يزدد الأمر فيهن إلا شدة.
٣ - وأخرج الدارمي عن مجاهد قال: كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن فسألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) في الفرج ولا تعدوه.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية والذي عليه جمهور المفسرين في سبب نزولها ما جاء من حديث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - سألوا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن فعل اليهود مع نسائهم حال الحيض فأنزل اللَّه الآية منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والطاهر بن عاشور.
وأما قول عكرمة: كان أهل الجاهلية يصنعون في الحائض نحواً من صنيع المجوس فذكر ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنزلت الآية فهذا الأثر معلول بالآتي:
١ - أنه مرسل فعكرمة لم يدرك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو يدرك زمن نزولها بالإضافة إلى مخالفة هذا الأثر للحديث الصحيح الصريح المرفوع كما سيتبين بعد ذلك.
٢ - قول عكرمة: كان أهل الجاهلية. هذا المصطلح اشتهر إطلاقه على الكفار في مكة فأما بعد الهجرة إلى المدينة فلا يعرف إلا المهاجرون والأنصار

صفحة رقم 269

والمنافقون واليهود فكيف يكون فعل أهل الجاهلية سببًا لنزول آية مدنية، هذا إذا أدركنا أن المسلمين لم يتأثروا بفعل أهل الجاهلية لأنهم يعرفون جهلهم بل كانوا يلحظون فعل اليهود لأنهم أهل كتاب وعندهم شبهة حق فيما لم ينزل على المسلمين فيه شيء.
٣ - لو كان أهل الجاهلية يصنعون هذا في الحائض أعني (الاعتزال التام) لما استغرب أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هذا من اليهود لأنهم سيكونون قد عهدوه من قبل من أهل الجاهلية.
أما قول مجاهد: كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن فهو معلول بالإرسال أيضًا كالأول وقد قال عنه ابن العربي: (وهذا ضعيف) اهـ.
ثم لو كانوا يأتونهن في أدبارهن فأين جواب هذا في الآية؟
الآية لم تتعرض لهذا إلا بقوله تعالى: (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) وهذا ليس صريحًا لأن يكون سبب نزولها؛ لأن السؤال في الآية موجّه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شأن المحيض فقال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى).
فتبين بهذا ضعف هذين الأثرين وأنه لا يعول عليهما بشأن سبب نزول الآية.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية هو حديث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حيث استشكل أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل اليهود مع نسائهم حال الحيض فسألوا رسول الله عن ذلك فأنزل الله الآية مبينًا للمسلمين ما يحرم وما يحل من المرأة في تلك الحال. وذلك لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ الآية، واحتجاج المفسرين به والله أعلم.
* * * * *

صفحة رقم 270

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

عرض الكتاب
المؤلف

خالد بن سليمان المزيني

عدد الأجزاء 1