٢٤ - قال اللَّه تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج مسلم وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن زيد بن أرقم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.
وفي رواية للبخاري، إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى نزلت: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) فأمرنا بالسكوت.
٢ - أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنَّسَائِي عن زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منها قال فنزلت: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) وقال إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية وقد أورد المفسرون هذه الروايات وجعلوها من أسباب نزول الآية منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور وغيرهم.
وعند النظر في حديث زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أجد أنه مشكل من وجهين: الأول: قوله: ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منها فإن أراد بالأصحاب أهل الإيمان منهم فهذه الحال لا تنطبق عليهم فقد وصفهم اللَّه في كتابه بأجمل الأوصاف فقال عنهم: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ... ) الآية. فقوله: (وَالَّذِينَ مَعَهُ) هم أصحابه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإن أراد بقوله أصحاب الظاهر وهم المنافقون فهذه الحال أيضاً لا تنطبق عليهم لما روى مسلم عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن أثقل صلاةٍ على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً... الحديث).
الوجه الثاني: استدلاله بالآية على أن الصلاة الوسطى هي صلاة الظهر
وهذا يخالف النص الصحيح الصريح من سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر فقد أخرج الشيخان واللفظ لمسلم عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الأحزاب: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ اللَّه بيوتهم وقبورهم نارًا) ثم صلاها بين العشائين بين المغرب والعشاء.
وبهذا يتبين أن حديث زيد بن ثابت غير محفوظ فلا يستقيم الاحتجاج به على السببية، إذ مقتضى الاستدلال به أن نضرب بكتاب اللَّه سنةَ رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصحيحة وهذا أمر يبرأ منه من له أدنى حظ من علم أو إيمان واللَّه المستعان.
وعند النظر في حديث زيد بن أرقم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يظهر لنا الإشكال التالي:
وهو أن ظاهر الحديث أن تحريم الكلام في الصلاة إنما كان في المدينة لأن الآية مدنية بالاتفاق وهذا يخالف بظاهره حديث ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقد روى الشيخان عنه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنا نسلِّم على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يصلي فيردّ علينا فلما رجعنا من عند النجاشي، سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا: يا رسول اللَّه، إنا كنا نسلم عليك فترد علينا؟ قال: إن في الصلاة شغلاً.
وهذا يدل على أن تحريم الكلام في الصلاة سابقٌ للهجرة إلى المدينة لأن هجرتهم إلى الحبشة قبلها قطعًا فما الجواب؟
فالجواب من خمسة أوجه:
أولاً: (أن زيد بن أرقم أراد بقوله: كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة، الإخبار عن جنس الكلام واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه منها.
ثانياً: أنه أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها ويكون ذلك قد أُبيح مرتين وحرم مرتين) اهـ.
ثالثاً: (أن تحريم الكلام كان بمكة وحملوا حديث زيد بن أرقم على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه).
رابعاً: ذهب آخرون إلى الترجيح فقالوا يترجح حديث ابن مسعود لأنه حكى لفظ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخلاف زيد بن أرقم فلم يحكه.
خامساً: قالوا: إن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أراد بقوله: فلما رجعنا، رجوعه الثاني وذلك أن بعض المسلمين هاجر إلى الحبشة ثم بلغهم أن المشركين أسلموا فرجعوا إلى مكة فوجدوا الأمر بخلاف ذلك واشتد الأذى عليهم فخرجوا إليها أيضاً فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى وكان ابن مسعود مع الفريقين، وقد ورد أنه قدم المدينة والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتجهز إلى بدر، فظهر أن اجتماعه بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد رجوعه كان بالمدينة وإلى هذا الجمع نحا الخطابي ويقوي هذا الجمع رواية كلثوم فإنها ظاهرة في أن كلاً من ابن مسعود وزيد بن أرقم حكى أن الناسخ قوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) اهـ بتصرف.
قلت: رواية كلثوم التي أشار إليها ابن حجر هي قول عبد اللَّه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كنت آتي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يصلي، فأسلم عليه فيرد عليَّ، فأتيته فسلمتُ عليه وهو يصلي فلم يرد عليَّ فلما سلم أشار إلى القوم فقال: إن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - يعني أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلا بذكر اللَّه وما ينبغي لكم وأن تقوموا للَّه قانتين.
فقول عبد اللَّه في الحديث وأن تقوموا للَّه قانتين مع حديث زيد بن أرقم يدلان على أن القصة واحدة وأن ذلك كان بالمدينة.
بل لو قدرنا جدلاً أن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لم يذكر في حديثه وقوموا لله قانتين واقتصر ذكرها في حديث زيد بن أرقم لما كان في هذا إشكال لأن التحريم سيكون حينئذٍ ثابتاً بحديث زيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ويكون مجيء ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى المدينة بعد تحريم الكلام في الصلاة ولهذا قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن في الصلاة شغلاً.
وهذا القول الأخير في الجمع بين الحديثين هو أصح الأقوال التي ذكرها ابن حجر والله أعلم.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية ما دلّ عليه حديث زيد بن أرقم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من أن الصحابة كانوا يتكلمون في الصلاة فيما بينهم عن حوائجهم فأنزل الله الآية آمرةً بالمحافظة على الصلاة والسكوت فيها ناهيةً عن الكلام الذي ليس من شأنها. لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته للفظ الآية واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم.
* * * * *
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني