فِي الْحَرْفِ الْمُكَرَّرِ، وَهُوَ الرَّاءُ، وَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ ; إِمَّا لِأَنَّهُ أَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ، أَوْ لِأَنَّ مَدَّةَ الْأَلِفِ تَجْرِي مَجْرَى الْحَرَكَةِ.
(عَنْ تَرَاضٍ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةً لِفِصَالٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِأَرَادَا.
(وَتَشَاوُرٍ) : أَيْ مِنْهُمَا. (تَسْتَرْضِعُوا) : مَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ: أَجْنَبِيَّةً ; أَوْ غَيْرَ الْأُمِّ.
(أَوْلَادَكُمْ) : مَفْعُولٌ حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ الْجَرِّ تَقْدِيرُهُ: لِأَوْلَادِكُمْ ; فَتَعَدَّى الْفِعْلُ إِلَيْهِ ; كَقَوْلِهِ: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ. (فَلَا جُنَاحَ) : الْفَاءُ جَوَابُ الشَّرْطِ. وَ (إِذَا سَلَّمْتُمْ) : شَرْطٌ أَيْضًا، وَجَوَابُهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَجَوَابُهُ ; وَذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْعَامِلُ فِي إِذَا.
(مَا آتَيْتُمْ) : يُقْرَأُ بِالْمَدِّ، وَالْمَفْعُولَانِ مَحْذُوفَانِ ; تَقْدِيرُهُ: مَا أَعْطَيْتُمُوهُنَّ إِيَّاهُ. وَيُقْرَأُ بِالْقَصْرِ ; تَقْدِيرُهُ: مَا جِئْتُمْ بِهِ، فَحُذِفَ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: تَقْدِيرُهُ: مَا جِئْتُمْ نَقْدَهُ أَوْ تَعْجِيلَهُ ; كَمَا تَقُولُ: أَتَيْتُ الْأَمْرَ ; أَيْ فَعَلْتُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) : فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ ; وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ حُكْمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ; وَمِثْلُهُ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) [الْمَائِدَةِ: ٣٨] وَ (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) [النُّورِ: ٢] وَقَوْلُهُ: (يَتَرَبَّصْنَ) بَيَانُ الْحُكْمِ الْمَتْلُوِّ. وَهَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُبْتَدَأَ مَحْذُوفٌ، وَالَّذِينَ قَامَ مَقَامَهُ ; تَقْدِيرُهُ: وَأَزْوَاجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، وَالْخَبَرُ (يَتَرَبَّصْنَ)، وَدَلَّ عَلَى الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ: (وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا).
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وَ (يَتَرَبَّصْنَ) : الْخَبَرُ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَهُمْ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الَّذِينَ مُبْتَدَأٌ، وَتَقْدِيرُ الْخَبَرِ أَزْوَاجُهُمْ يَتَرَبَّصْنَ، فَأَزْوَاجُهُمْ مُبْتَدَأٌ، وَيَتَرَبَّصْنَ الْخَبَرُ، فَحُذِفَ الْمُبْتَدَأُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ تَرَكَ الْإِخْبَارَ عَنِ (الَّذِينَ)، وَأَخْبَرَ عَنِ الزَّوْجَاتِ الْمُتَّصِلِ ذِكْرُهُنَّ بِالَّذِينِ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ مَعَهُنَّ فِي الِاعْتِدَادِ بِالْأَشْهُرِ، فَجَاءَ الْإِخْبَارُ عَمَّا هُوَ الْمَقْصُودُ ; وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْيَاءِ فِي (يُتَوَفَّوْنَ) عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ ; وَالْمَعْنَى: يَسْتَوْفُونَ آجَالَهُمْ.
وَ (مِنْكُمْ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ الْمُضْمَرِ.
(وَعَشْرًا) : أَيْ عَشَرَ لَيَالٍ ; لِأَنَّ التَّارِيخَ يَكُونُ بِاللَّيْلَةِ إِذَا كَانَتْ هِيَ أَوَّلُ الشَّهْرِ وَالْيَوْمُ تَبَعٌ لَهَا. (بِالْمَعْرُوفِ) : حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُؤَنَّثِ فِي الْفِعْلِ، أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ، أَوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) : الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْهَاءِ الْمَجْرُورَةِ ; فَيَكُونُ الْعَامِلُ فِيهِ عَرَّضْتُمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ «مَا»، فَيَكُونُ الْعَامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرَارُ.
وَالْخِطْبَةُ بِالْكَسْرِ: خِطَابُ الْمَرْأَةِ فِي التَّزْوِيجِ ; وَهِيَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ ; وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ خِطْبَتِكُمُ النِّسَاءَ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي