وَيُقْرَأُ بِجَزْمِ الرَّاءِ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ فَهُوَ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ ; أَيْ وَنَحْنُ، أَوْ وَهِيَ. وَ (مِنْ) : هُنَا زَائِدَةٌ عِنْدَ الْأَخْفَشِ ; فَيَكُونُ: سَيِّئَاتُكُمُ الْمَفْعُولُ، وَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ شَيْئًا مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَالسَّيِّئَةُ فِعْلِيَّةٌ، وَعَيْنُهَا وَاوٌ ; لِأَنَّهَا مِنْ سَاءَ يَسُوءُ فَأَصْلُهَا سَيْوِئَةٌ، ثُمَّ عَمِلَ فِيهَا مَا ذَكَرْنَا فِي: صَيِّبٍ.
قَالَ تَعَالَى: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٣٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلْفُقَرَاءِ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرُ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: الصَّدَقَاتُ الْمَذْكُورَةُ لِلْفُقَرَاءِ، وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: أَعْطُوا لِلْفُقَرَاءِ. (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) :«فِي» مُتَعَلِّقَةٌ بِأُحْصِرُوا عَلَى أَنَّهَا ظَرْفٌ لَهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَالًا ; أَيْ أُحْصِرُوا مُجَاهِدِينَ.
(لَا يَسْتَطِيعُونَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ أَحُصِرُوا ; أَيْ أُحْصِرُوا عَاجِزِينَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. (يَحْسَبُهُمُ) : حَالٌ أَيْضًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا لَا مَوْضِعَ لَهُ.
وَفِيهِ لُغَتَانِ: كَسْرُ السِّينِ وَفَتْحُهَا، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا.
وَ (الْجَاهِلُ) : جِنْسٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعُ، وَلَا يُرَادُ بِهِ وَاحِدٌ.
(مِنَ التَّعَفُّفِ) : يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ «مِنْ» بِيَحْسَبُ ; أَيْ يَحْسَبُهُمْ مِنْ أَجْلِ التَّعَفُّفِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَعْنَى أَغْنِيَاءَ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ إِلَى ضِدِّ الْمَقْصُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ حَالَهُمْ يَخْفَى عَلَى الْجَاهِلِ بِهِمْ، فَيَظُنُّهُمْ أَغْنِيَاءَ، وَلَوْ عُلِّقَتْ: مِنْ بِأَغْنِيَاءَ صَارَ الْمَعْنَى أَنَّ الْجَاهِلَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ أَغْنِيَاءَ، وَلَكِنْ بِالتَّعَفُّفِ وَالْغَنِيُّ بِالتَّعَفُّفِ فَقِيرٌ مِنَ الْمَالِ.
(تَعْرِفُهُمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَ (لَا يَسْأَلُونَ) : مِثْلُهُ.
وَ (إِلْحَافًا) : مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ يَسْأَلُونَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يُلْحِفُونَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ تَقْدِيرُهُ: وَلَا يَسْأَلُونَ مُلْحِفِينَ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) : الْمَوْصُولُ وَصِلَتُهُ مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ هُنَا لِشَبَهِ الَّذِي بِالشَّرْطِ فِي إِبْهَامِهِ وَوَصْلِهِ بِالْفِعْلِ.
(بِاللَّيْلِ) : ظَرْفٌ ; ، وَالْبَاءُ فِيهِ بِمَعْنَى فِي.
وَ (سِرًّا وَعَلَانِيَةً) : مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا) : مُبْتَدَأٌ. «لَا يَقُومُونَ» خَبَرُهُ، وَالْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَصْفًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا قِيَامًا مِثْلَ قِيَامِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ. وَلَامُ الرِّبَا وَاوٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ رَبَا يَرْبُو، وَتَثْنِيَتُهُ رِبَوَانِ، وَيُكْتَبُ بِالْأَلِفِ.
وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ كَتْبَهُ وَتَثْنِيَتُهُ بِالْيَاءِ، قَالُوا لِأَجْلِ الْكَسْرَةِ الَّتِي فِي أَوَّلِهِ، وَهُوَ خَطَأٌ عِنْدَنَا.
وَ (مِنَ الْمَسِّ) : يَتَعَلَّقُ بِيَتَخَبَّطُهُ ; أَيْ مِنْ جِهَةِ الْجُنُونِ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي