عَلَيْهِ مُمْكِنٌ، ثُمَّ أَجْرَى الْوَصْلَ مَجْرَى الْوَقْفِ، أَوْ يَكُونُ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقْفَةً يَسِيرَةً، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الْقَوَافِي. وَالْهَاءُ فِي: (فَإِنَّهُ) تَعُودُ عَلَى الْإِبَاءِ أَوِ الْإِضْرَارِ. وَ (بِكُمْ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَاحِقٌ بِكُمْ. (وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) : مُسْتَأْنَفٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ.
وَقِيلَ: مَوْضِعُهُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي اتَّقُوا تَقْدِيرُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ مَضْمُونًا التَّعْلِيمَ أَوِ الْهِدَايَةَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُقَدَّرَةً.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَرِهَانٌ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَالْوَثِيقَةُ أَوِ التَّوَثُّقُ.
وَيُقْرَأُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا، وَهُوَ جَمْعُ رَهْنٍ مِثْلُ سَقْفٍ وَسُقْفٍ وَأَسَدٍ وَأُسْدٍ، وَالتَّسْكِينُ لِثِقَلِ الضَّمَّةِ بَعْدَ الضَّمَّةِ.
وَقِيلَ: رُهْنٌ جَمْعُ رِهَانٍ، وَرِهَانٌ جَمْعُ رَهْنٍ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ مِثْلُ كَلْبٍ وَكِلَابٍ، وَالرَّهْنُ مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى مَرْهُونٍ.
(الَّذِي اؤْتُمِنَ) : إِذَا وَقَفْتَ عَلَى الَّذِي ابْتَدَأْتَ أُؤْتُمِنَ، فَالْهَمْزَةُ لِلْوَصْلِ، وَالْوَاوُ بَدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ الَّتِي هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ، فَإِذَا وَصَلْتَ حَذَفْتَ هَمْزَةَ الْوَصْلِ، وَأَعَدْتَ الْوَاوَ إِلَى أَصْلِهَا، وَهُوَ الْهَمْزَةُ، وَحُذِفَتْ يَاءُ «الَّذِي» ; لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَقَدْ أُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ يَاءً سَاكِنَةً، وَيَاءُ الَّذِي مَحْذُوفَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ
(أَمَانَتَهُ) مَفْعُولُ يُؤَدُّ لَا مَصْدَرُ اؤْتُمِنَ، وَالْأَمَانَةُ بِمَعْنَى الْمُؤْتَمَنِ.
(وَلَا تَكْتُمُوا) : الْجُمْهُورُ عَلَى التَّاءِ لِلْخِطَابِ كَصَدْرِ الْآيَةِ.
وَقُرِئَ بِالْيَاءِ عَلَى الْغَيْبَةِ ; لِأَنَّ قَبْلَهُ غَيْبًا إِلَّا أَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ مُفْرَدٌ فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ جِنْسٌ فَلِذَلِكَ جَاءَ الضَّمِيرُ مَجْمُوعًا عَلَى الْمَعْنَى.
(فَإِنَّهُ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ مَنْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ.
وَ (آثِمٌ) : فِيهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ خَبَرُ إِنَّ وَ «قَلْبُهُ» مَرْفُوعٌ بِهِ.
وَالثَّانِي: كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ بَدَلٌ مِنْ آثِمٌ، لَا عَلَى نِيَّةِ طَرْحِ الْأَوَّلِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ قَلْبُهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي آثِمٌ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ قَلْبُهُ مُبْتَدَأٌ، وَآثِمٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ.
وَأَجَازَ قَوْمٌ قَلْبَهُ بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ ; وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ) : يَقْرَآنِ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ; أَيْ هُوَ يَغْفِرُ، وَبِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ، وَالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْمَعْنَى بِإِضْمَارِ أَنْ ; تَقْدِيرُهُ: فَأَنْ يَغْفِرَ وَهَذَا يُسَمَّى الصَّرْفُ، وَالتَّقْدِيرُ: يَكُنْ مِنْهُ حِسَابٌ فَغُفْرَانٌ.
وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ بِحَذْفِ الْفَاءِ، وَالْجَزْمِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ يُحَاسِبْكُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْمُؤْمِنُونَ) : مَعْطُوفٌ عَلَى الرَّسُولِ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ تَامًّا عِنْدَهُ. وَقِيلَ:
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي