التَّوْحِيدِ جَازَ، وَلَوْ جَعَلْتَهَا حَالًا مُقَدَّرَةً فَقَطْ جَازَ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ مُقَدِّرِينَ التَّوْحِيدَ أَبَدًا مَا عَاشُوا.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيَ وَالتَّقْدِيرُ: قُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْبُدُوا، وَفِيهِ وَجْهٌ خَامِسٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَالُ مَحْذُوفَةً، وَالتَّقْدِيرُ: أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ قَائِلِينَ كَذَا وَكَذَا، وَحَذْفُ الْقَوْلِ كَثِيرٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ) [الْبَقَرَةِ: ٨٤].
(إِلَّا اللَّهَ) : مَفْعُولُ تَعْبُدُونَ، وَلَا عَمَلَ لِإِلَّا فِي نَصْبِهِ إِلَّا أَنَّ الْفِعْلَ قَبْلَهُ لَمْ يَسْتَوْفِ مَفْعُولَهُ. (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) : إِحْسَانًا مَصْدَرٌ أَيْ: وَقُلْنَا أَحْسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقُلْنَا اسْتَوْصُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أَيْ وَوَصَّيْنَاهُمْ بِالْوَالِدَيْنِ لِأَجْلِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ.
(وَذِي الْقُرْبَى) : إِنَّمَا أَفْرَدَ ذِي هَاهُنَا لِأَنَّهُ أَرَادَ الْجِنْسَ أَوْ يَكُونُ وَضَعَ الْوَاحِدَ مَوْضِعَ الْجَمْعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ. (وَالْيَتَامَى) : جَمْعُ يَتِيمٍ ; وَجَمْعُ فَعِيلٍ عَلَى فَعَالَى قَلِيلٌ.
وَالْمِيمُ فِي: (وَالْمَسَاكِينِ) : زَائِدَةٌ ; لِأَنَّهُ مِنَ السُّكُونِ.
(وَقُولُوا) : أَيْ وَقُلْنَا لَهُمْ قُولُوا.
(حُسْنًا) : يُقْرَأُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ وَبِفَتْحِهِمَا وَهُمَا لُغَتَانِ ; مِثْلُ الْعُرْبِ وَالْعَرَبِ ; وَالْحُزْنِ وَالْحَزَنِ ; وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَهُمَا فَقَالُوا: الْفَتْحُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ قَوْلًا حَسَنًا، وَالضَّمُّ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ قَوْلًا ذَا حُسْنٍ.
وَقُرِئَ بِضَمِّ الْحَاءِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ لِلتَّأْنِيثِ.
(إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ) : النَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ، وَهُوَ الْوَجْهُ.
وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ شَاذًّا، وَوَجْهُهُ أَنْ يَكُونَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ قَالَ: امْتَنَعَ قَلِيلٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ: ثُمَّ تَوَلَّى قَلِيلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْكُمْ لَمْ يَتَوَلَّ ; كَمَا قَالُوا: مَا مَرَرْتُ بِأَحَدٍ إِلَّا وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ خَيْرٌ مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَوْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الْمُرْفُوعِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَسِيبَوَيْهِ وَأَصْحَابُهُ يُسَمُّونَهُ نَعْتًا وَوَصْفًا، وَأَنْشَدَ أَبُو عَلِيٍّ فِي مِثْلِ رَفْعِ هَذِهِ الْآيَةِ.
| وَبِالصَّرِيمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ | عَافٍ تَغَيَّرَ إِلَّا النُّؤْيُ وَالْوَتِدُ. |
وَقِيلَ الْمَعْنَى تَوَلَّيْتُمْ بِأَبْدَانِكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ بِقُلُوبِكُمْ فَعَلَى هَذَا هِيَ حَالٌ مُنْتَقِلَةٌ وَقِيلَ تَوَلَّيْتُمْ يَعْنِي آبَاءَهُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ يَعْنِي أَنْفُسَهُمْ ; كَمَا قَالَ (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) [الْبَقَرَةِ: ٣٩] يَعْنِي آبَاءَهُمْ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْ دِيَارِكُمْ) : الْيَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ ; لِأَنَّهُ جَمْعُ دَارٍ وَالْأَلِفُ فِي دَارٍ وَاوٌ فِي الْأَصْلِ ; لِأَنَّهَا مِنْ دَارَ يَدُورُ، وَإِنَّمَا قُلِبَتْ يَاءً فِي الْجَمْعِ ; لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَاعْتِلَالِهَا فِي الْوَاحِدِ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ صَحَّتْ فِي (لِوَاذًا) ; قِيلَ: لَمَّا صَحَّتْ فِي الْفِعْلِ صَحَّتْ فِي الْمَصْدَرِ، وَالْفِعْلُ لَاوَذَ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ صَحَّتْ فِي دَيَّارٍ؟ قِيلَ: الْأَصْلُ فِيهِ دَيْوَارٌ، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ، وَأُدْغِمَتْ.
(ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ) : فِيهِ وَجْهَانِ: صفحة رقم 85
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي