ﰆﰇﰈﰉﰊ

قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ( ٣٦ ) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ( ٣٧ ) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ( ٣٨ ) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ( ٣٩ ) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ( ٤٠ ) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ( ٤١ ) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ( ٤٢ ) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ( ٤٣ ) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ( ٤٤ ) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ( ٤٥ ) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ( ٤٦ ) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ( ٤٧ ) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( ٤٨ ) .
أوتيت سؤلك أعطيت ما سألت، وأجبتك إلى ما دعوت.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:[ حين راعى من دقائق الأدب وأنواع حسن الطلب ما يجب رعايته فلا جرم أجاب الله تعالى مطالبه، وأنجح مآربه قائلا : قد أوتيت سؤلك ؛ والسؤل بمعنى المسؤول كالخبز بمعنى المخبوز، والأكل بمعنى المأكول... مننا عليك : من عليه منا : أنعم ؛ ومن عليه منة : امتن عليه، كأن الله سبحانه قال لموسى : إني راعيت صلاحك قبل سؤالك، فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال ؟ ! أو : كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك ردا بعد القبول، وحرمانا بعد الإحسان،.... ؛ وإنما قال : مرة أخرى لأن الجملة قصة واحدة، وإن كانت مشتملة على منن كثيرة ؛ والوحي إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلا أو عن لسان ملك لا على طريق النبوة ؛... أو أراها المنام... أو ألهمها بذلك.... أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له ، أن هي المفسرة، لأن الإيحاء في معنى القول ؛ والقذف يستعمل بمعنى الوضع، أي : ضعيه في التابوت١.... الضميران الباقيان في قوله : فاقذفيه في اليم فليلقه : عائدان إلى موسى.. فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضا مقذوفا وملقى، ويؤيده أن الضمير في قوله : عدو له لموسى بالضرورة، لأن عداوة التابوت غير معقولة، وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضا له،... واليم هو البحر، والمراد هنا : نيل مصر، والساحل : شاطئ البحر ]٢ ؛ فليلقه ـ المراد من الأمر الخبر... وقال غير واحد : إنه لما كان إلقاء البحر إياه بالساحل أمرا واجب الوقوع لتعلق الإرادة الربانية به جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمر بذلك، وأخرج الجواب مخرج الأمر.....
وألقيت عليك محبة مني .. أي : محبة عظيمة كائنة مني قد زرعتها في القلوب، فكل من رآك أحبك... ولتصنع على عيني ... : وليفعل بك الصنيعة والإحسان وتربى بالحنو والشفقة وأنا مراعيك ومراقبك... وقال قتادة : المعنى : لتغذى على محبتي وإرادتي ؛ وهو اختيار أبي عبيدة، وابن الأنباري، وزعم الواحدي أنه الصحيح ـ٣.
إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن يذكر المولى سبحانه بأنعمه، ويقص علينا من أنباء المرسلين ما يثبت الفؤاد ويقوي اليقين، فإنه عز وجل إذ أراد أن يرعى موسى كان ما أراد، ولم يقف أمام مراده كيد فرعون الذي ضيق حول الإسرائيلين ـ قوم موسى ـ الخناق، وأمعن في أبنائهم ذبحا، وأشاع في نسائهم الاسترقاق، لكن يأبى الله إلا أن يتم مراده، وينجي صفيه وكليمه ؛ ومثلما أنجاه وليدا، رعاه وأقر عين أمه به رضيعا، فقد ربط الله تعالى على قلب أم موسى، فألقت وليدها في الصندوق المغلق الذي جرت العادة أن يقتل من بداخله خنقا، ثم قذفت به في اليم مطمئنة إلى أنه لن يموت غرقا، كيف لا وقد ألهمها الله الملك الحق المبين{.. لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين )٤ ؛ وأنجز الله تعالى ما وعد ؛ فأخذه فرعون ـ عدو الله وعدو موسى ـ وكان الصندوق قد التقط أمام دار ذاك الطاغية، فلما فتح ألقى الله تعالى محبته في قلب امرأة فرعون، وكأنما هم الذباحون بقتله، فقالت ما بينه كتاب الله :{.. قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا.. )٥ ؛ فوهبها إياه، ونجا من الذباحين ؛ وفرحت بمتبناها، وطلبت المراضع ليرضعنه، فما أقبل على ثدي من ثديهن أبدا، حتى خافت عليه الهلاك ؛ بينما جاءت أخته تعرض عليها أن تدلها على أهل بيت يرضعونه ويحفظونه ؛ فرضيت امرأة فرعون بما عرض عليها، وأسلمته إلى التي طلبته فعادت به إلى أمه ـ وهم لا يعرفون أنه ابنها ـ يريد الله البر الرحيم أن تقر عين أمه ولا تحزن ؛ وللسرور دمعة باردة تقر بها العين فلا تسخن، وللحزن دمعة حارة.
ورعا الله تعالى كليمه شابا يافعا، ونجاه من بطش الجبارين، وثأر الموتورين، وذلك أنه عليه السلام حين كان فتى سار في المدينة التي يسكنها فرعون فوجد فيها رجلين يقتتلان أحدهما إسرائيلي والثاني قبطي، فاستغاث الإسرائيلي بموسى عليه السلام، فبينما هو يحجز القبطي عنه إذ أصابته وكزة من موسى فقضت عليه، فاستغفر ربه لتلك الفعلة فغفر الله له، أما أهل القتيل فاشتد غيظهم وانطلقوا يبحثون عن القاتل فلم يعرفوا أول الأمر من الذي قتل، وفي اليوم الثاني مر موسى فإذا بالذي استنصره بالأمس يستصرخه {.. قال له موسى إنك لغوي مبين. فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس.. )٦، فذهب القبطي يحدث قومه بما سمع فعرفوا أن موسى هو قاتل القبطي الذي لم يكن قد علم بعد قاتله، فتحرك القبط ليثأروا لكن الله اللطيف الخبير قيض لموسى من يسرع في إبلاغه بما اعتزم القوم، { فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين. ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل. ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير. فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير. فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين. قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين. قال يا بني إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين. قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل )٧.
وإلى هذا جاءت الإشارة في الآية الكريمة : وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ؛ وهكذا، لما وفى موسى بالمدة استأذن صهره نبي الله شعيبا في الرجوع إلى أمه، فأذن له، وخرج ومعه أهله وغنمه، وفي رحلة العودة نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة :.. أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين )٨ ؛ فأتى إلى الطور في الوادي المقدس في الوقت الذي شاء الله ؛ وصدق مولانا الحكيم القائل :{ ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي .
اذهب أنت وأخوك بآياتي : التي أريتك من معجزات ـ العصا واليد وسائر المعجزات التسع ـ أو عبر عن العصا واليد بالآيات على أن الجمع يكون لما فرق الواحد، لكن آية مباركة بينت أن العصا واليد على عظمهما ما كانتا إلا بعض ما أوتي موسى من علامات وحجج وبراهين بعث بها إلى فرعون وملئه ؛ وذلك قول الله جل ذكره : وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين )٩ ؛ { ولا تنيا في ذكري ولا تفترا عن ذكر ربكما، فإن من يذكر الله تعالى يذكره، ومن ينسه ينسه نفسه ـ وحاشا للرسولين الكريمين أن ينسيا أو يفترا ـ قال ابن عباس : لا تضعفا في أمر الرسالة ولا تبطئا. اذهب إلى فرعون إنه طغى [ ما الفائدة في تكرير.. اذهبا إلى فرعون ؟.
والجواب : بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معا لا أن ينفرد به موسى ؛ أو الأول أمر بالذهاب إلى القبط. والثاني مخصوص بفرعون الطاغي ؛ ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه الأصل ]١٠ فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى عن الحسن البصري : أعذرا إليه، قولا له : إن لك ربا ولك معادا، وإن بينك جنة ونارا ؛ وقال : يقول : لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون أهلكه قبل أن أعذر إليه ؛ ـ هذه الآية فيها عبرة عظيمة.. فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع أن هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين... والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق، لين سهل رفيق، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع... لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، أو يخشى أي يوجد طاعة من خشية ربه،... فالتذكر : الرجوع عن المحذور، والخشية تحصيل الطاعة ـ١١ ؛ [ ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة، وضمنت له العصمة، ألا تراه قال : فقولا له قولا لينا ؛ وقال : لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ؛ فكيف بنا ؟ فنحن أولى بذلك !... واختلف الناس في معنى قوله :{ لينا ، فقالت فرقة منهم الكلبي وعكرمة : معناه : كنياه ؛... فعلى هذا القول تكون تكنية الكافر جائزة إذا كان وجيها ذا شرف، وطمع بإسلامه، وقد يجوز ذلك وإن لم يطمع بإسلامه١٢.......... فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولا لينا. فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه، وأمره بالمعروف في كلامه ؛ وقد قال الله تعالى :.. وقولوا للناس حسنا.. )١٣. قوله تعالى :{ لعله يتذكر أو يخشى معناه : على رجائكما وطمعكما ؛ فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر ؛ قاله كبراء النحويين : سيبويه وغيره.... وقيل : إن لعل وعسى في جميع القرآن لما قد وقع ؛ وقد تذكر فرعون حين أدركه الغرق وخشي، فقال :{.. آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين )١٤ ؛ ولكن لم ينفعه ذلك ؛ قاله أبو بكر الوراق وغيره ؛ وقال يحيى بن معاذ في هذه الآية : هذا رفقك بمن يقول أنا الله، فكيف رفقك بمن يقول : أنت الإله ؟ ! وقد قيل : إن فرعون ركن إلى قول موسى لما دعاه، وشاور امرأته فآمنت وأشارت عليه بالإيمان، فشاور هامان، فقال : لا تفعل ؛ بعد أن كنت مالكا تصير مملوكا، وبعد أن كنت ربا تصير مربوبا ]١٥



[ حين راعى من دقائق الأدب وأنواع حسن الطلب ما يجب رعايته فلا جرم أجاب الله تعالى مطالبه، وأنجح مآربه قائلا : قد أوتيت سؤلك ؛ والسؤل بمعنى المسؤول كالخبز بمعنى المخبوز، والأكل بمعنى المأكول... مننا عليك : من عليه منا : أنعم ؛ ومن عليه منة : امتن عليه، كأن الله سبحانه قال لموسى : إني راعيت صلاحك قبل سؤالك، فكيف لا أعطيك مرادك بعد السؤال ؟ ! أو : كنت ربيتك من غير سابقة حق فلو منعتك الحال مطلوبك لكان ذلك ردا بعد القبول، وحرمانا بعد الإحسان، .... ؛ وإنما قال : مرة أخرى لأن الجملة قصة واحدة، وإن كانت مشتملة على منن كثيرة ؛ والوحي إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في عصرها كشعيب مثلا أو عن لسان ملك لا على طريق النبوة ؛... أو أراها المنام... أو ألهمها بذلك.... أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له ، أن هي المفسرة، لأن الإيحاء في معنى القول ؛ والقذف يستعمل بمعنى الوضع، أي : ضعيه في التابوت١.... الضميران الباقيان في قوله : فاقذفيه في اليم فليلقه : عائدان إلى موسى.. فإن المقذوف والملقى إذا كان موسى وهو في جوف التابوت لزم أن يكون التابوت أيضا مقذوفا وملقى، ويؤيده أن الضمير في قوله : عدو له لموسى بالضرورة، لأن عداوة التابوت غير معقولة، وإذا كان الضمير الأول والضمير الأخير لموسى فالأنسب بإعجاز القرآن أن يكون الضمير المتوسط أيضا له، ... واليم هو البحر، والمراد هنا : نيل مصر، والساحل : شاطئ البحر ]٢ ؛ فليلقه ـ المراد من الأمر الخبر... وقال غير واحد : إنه لما كان إلقاء البحر إياه بالساحل أمرا واجب الوقوع لتعلق الإرادة الربانية به جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمر بذلك، وأخرج الجواب مخرج الأمر.....
وألقيت عليك محبة مني .. أي : محبة عظيمة كائنة مني قد زرعتها في القلوب، فكل من رآك أحبك... ولتصنع على عيني ... : وليفعل بك الصنيعة والإحسان وتربى بالحنو والشفقة وأنا مراعيك ومراقبك... وقال قتادة : المعنى : لتغذى على محبتي وإرادتي ؛ وهو اختيار أبي عبيدة، وابن الأنباري، وزعم الواحدي أنه الصحيح ـ٣.
إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن يذكر المولى سبحانه بأنعمه، ويقص علينا من أنباء المرسلين ما يثبت الفؤاد ويقوي اليقين، فإنه عز وجل إذ أراد أن يرعى موسى كان ما أراد، ولم يقف أمام مراده كيد فرعون الذي ضيق حول الإسرائيلين ـ قوم موسى ـ الخناق، وأمعن في أبنائهم ذبحا، وأشاع في نسائهم الاسترقاق، لكن يأبى الله إلا أن يتم مراده، وينجي صفيه وكليمه ؛ ومثلما أنجاه وليدا، رعاه وأقر عين أمه به رضيعا، فقد ربط الله تعالى على قلب أم موسى، فألقت وليدها في الصندوق المغلق الذي جرت العادة أن يقتل من بداخله خنقا، ثم قذفت به في اليم مطمئنة إلى أنه لن يموت غرقا، كيف لا وقد ألهمها الله الملك الحق المبين{.. لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين )٤ ؛ وأنجز الله تعالى ما وعد ؛ فأخذه فرعون ـ عدو الله وعدو موسى ـ وكان الصندوق قد التقط أمام دار ذاك الطاغية، فلما فتح ألقى الله تعالى محبته في قلب امرأة فرعون، وكأنما هم الذباحون بقتله، فقالت ما بينه كتاب الله :{.. قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا.. )٥ ؛ فوهبها إياه، ونجا من الذباحين ؛ وفرحت بمتبناها، وطلبت المراضع ليرضعنه، فما أقبل على ثدي من ثديهن أبدا، حتى خافت عليه الهلاك ؛ بينما جاءت أخته تعرض عليها أن تدلها على أهل بيت يرضعونه ويحفظونه ؛ فرضيت امرأة فرعون بما عرض عليها، وأسلمته إلى التي طلبته فعادت به إلى أمه ـ وهم لا يعرفون أنه ابنها ـ يريد الله البر الرحيم أن تقر عين أمه ولا تحزن ؛ وللسرور دمعة باردة تقر بها العين فلا تسخن، وللحزن دمعة حارة.
ورعا الله تعالى كليمه شابا يافعا، ونجاه من بطش الجبارين، وثأر الموتورين، وذلك أنه عليه السلام حين كان فتى سار في المدينة التي يسكنها فرعون فوجد فيها رجلين يقتتلان أحدهما إسرائيلي والثاني قبطي، فاستغاث الإسرائيلي بموسى عليه السلام، فبينما هو يحجز القبطي عنه إذ أصابته وكزة من موسى فقضت عليه، فاستغفر ربه لتلك الفعلة فغفر الله له، أما أهل القتيل فاشتد غيظهم وانطلقوا يبحثون عن القاتل فلم يعرفوا أول الأمر من الذي قتل، وفي اليوم الثاني مر موسى فإذا بالذي استنصره بالأمس يستصرخه {.. قال له موسى إنك لغوي مبين. فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس.. )٦، فذهب القبطي يحدث قومه بما سمع فعرفوا أن موسى هو قاتل القبطي الذي لم يكن قد علم بعد قاتله، فتحرك القبط ليثأروا لكن الله اللطيف الخبير قيض لموسى من يسرع في إبلاغه بما اعتزم القوم، { فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين. ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل. ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير. فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير. فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين. قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين. قال يا بني إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين. قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل )٧.
وإلى هذا جاءت الإشارة في الآية الكريمة : وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ؛ وهكذا، لما وفى موسى بالمدة استأذن صهره نبي الله شعيبا في الرجوع إلى أمه، فأذن له، وخرج ومعه أهله وغنمه، وفي رحلة العودة نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة :.. أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين )٨ ؛ فأتى إلى الطور في الوادي المقدس في الوقت الذي شاء الله ؛ وصدق مولانا الحكيم القائل :{ ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي .
اذهب أنت وأخوك بآياتي : التي أريتك من معجزات ـ العصا واليد وسائر المعجزات التسع ـ أو عبر عن العصا واليد بالآيات على أن الجمع يكون لما فرق الواحد، لكن آية مباركة بينت أن العصا واليد على عظمهما ما كانتا إلا بعض ما أوتي موسى من علامات وحجج وبراهين بعث بها إلى فرعون وملئه ؛ وذلك قول الله جل ذكره : وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين )٩ ؛ { ولا تنيا في ذكري ولا تفترا عن ذكر ربكما، فإن من يذكر الله تعالى يذكره، ومن ينسه ينسه نفسه ـ وحاشا للرسولين الكريمين أن ينسيا أو يفترا ـ قال ابن عباس : لا تضعفا في أمر الرسالة ولا تبطئا. اذهب إلى فرعون إنه طغى [ ما الفائدة في تكرير.. اذهبا إلى فرعون ؟.
والجواب : بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معا لا أن ينفرد به موسى ؛ أو الأول أمر بالذهاب إلى القبط. والثاني مخصوص بفرعون الطاغي ؛ ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه الأصل ]١٠ فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى عن الحسن البصري : أعذرا إليه، قولا له : إن لك ربا ولك معادا، وإن بينك جنة ونارا ؛ وقال : يقول : لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون أهلكه قبل أن أعذر إليه ؛ ـ هذه الآية فيها عبرة عظيمة.. فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع أن هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين... والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق، لين سهل رفيق، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع... لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، أو يخشى أي يوجد طاعة من خشية ربه، ... فالتذكر : الرجوع عن المحذور، والخشية تحصيل الطاعة ـ١١ ؛ [ ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة، وضمنت له العصمة، ألا تراه قال : فقولا له قولا لينا ؛ وقال : لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ؛ فكيف بنا ؟ فنحن أولى بذلك !... واختلف الناس في معنى قوله :{ لينا ، فقالت فرقة منهم الكلبي وعكرمة : معناه : كنياه ؛... فعلى هذا القول تكون تكنية الكافر جائزة إذا كان وجيها ذا شرف، وطمع بإسلامه، وقد يجوز ذلك وإن لم يطمع بإسلامه١٢.......... فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولا لينا. فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه، وأمره بالمعروف في كلامه ؛ وقد قال الله تعالى :.. وقولوا للناس حسنا.. )١٣. قوله تعالى :{ لعله يتذكر أو يخشى معناه : على رجائكما وطمعكما ؛ فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر ؛ قاله كبراء النحويين : سيبويه وغيره.... وقيل : إن لعل وعسى في جميع القرآن لما قد وقع ؛ وقد تذكر فرعون حين أدركه الغرق وخشي، فقال :{.. آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين )١٤ ؛ ولكن لم ينفعه ذلك ؛ قاله أبو بكر الوراق وغيره ؛ وقال يحيى بن معاذ في هذه الآية : هذا رفقك بمن يقول أنا الله، فكيف رفقك بمن يقول : أنت الإله ؟ ! وقد قيل : إن فرعون ركن إلى قول موسى لما دعاه، وشاور امرأته فآمنت وأشارت عليه بالإيمان، فشاور هامان، فقال : لا تفعل ؛ بعد أن كنت مالكا تصير مملوكا، وبعد أن كنت ربا تصير مربوبا ]١٥

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير