قوله تعالى :«أمِ اتَّخَذُوا » هذه «أَمْ » المنقطعة، فتقدر ب ( بل ) التي لإضراب الانتقال وبالهمزة التي معناها الإنكار(١). و «اتخذ » يجوز أن يكون بمعنى ( صنع ) فيتعلق «مِنْ » به(٢) وجوَّز أبو حيَّان أن يكون بمعنى ( صَيَّر ) التي في قوله واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (٣)، فقال : وفيه معنى الاصطفاء والاختيار(٤). و «مِنَ الأرْضِ » يجوز أن يتعلق بالاتخاذ كما تقدم، وأن يتعلق بمحذوف على أنها نعت ل «آلهة » أي من جنس الأرض(٥).
قوله :«هُمْ يُنْشِرون » جملة في محل نصب صفة ل " آلهة ". وقرأ العامة " يُنشرون " بضم حرف المضارعة من أنشر(٦). وقرأ الحسن بفتحها وضم الشين(٧) يقال : أنشر الله الموتى فنشروا. ونشر لا يكون لزماً ومتعدياً(٨). قوله(٩) : أَمِ اتخذوا آلِهَةً استفهام بمعنى الجحد أي(١٠) لم يتخذوا من الأرض يعني : الأصنام من الأرض والحجارة، وهما من الأرض، والمنكر بعد اتخاذهم آلهة من الأرض ينشرون الموتى. فإن قيل : كيف أنكر(١١) عليهم اتخاذ آلهة تنشر، وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم بل كانوا في نهاية البعد عن هذه الدعوى، فإنهم كانوا مع إقرارهم بالله وأنه خالق السموات والأرض منكرين للبعث، ويقولون : مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ (١٢) فكيف يدعون ذلك للجماد الذي لا يوصف بالقدرة البتة ؟ فالجواب : أنهم لما اشتغلوا بعبادتها، ولا بد للعبادة من فائدة، وهي الثواب، فإقدامهم على عبادتهم يوجب إقرارهم بكونهم قادرين على الحشر والنشر والثواب والعقاب، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم، والمعنى : إذا لم يكونوا قادرين على أن يُحْيوا أو يميتوا ويضروا وينفعوا فأي عقل يجوز اتخاذهم آلهة(١٣).
وقوله :«مِنَ الأرْضِ » كقولك : فلان من مكة أو من المدينة(١٤). وقوله :«هم » يفيد معنى الخصوصية كأنه قيل : أن اتخذوا آلهة لا يقدرون على الإنشار إلا هم وحدهم(١٥).
٢ انظر البحر المحيط ٦/٣٠٤..
٣ [النساء: ١٢٥]..
٤ البحر المحيط ٦/٣٠٤..
٥ انظر التبيان ٢/٩١٤، البحر المحيط ٦/٣٠٤..
٦ والمعنى: أم اتخذوا آلهة يحيون الموتى. معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٨٨. القرطبي ١١/٢٧٨. والبحر المحيط ٦/٣٠٤..
٧ مضارع نشر، وأنشر ونشر لغتان، والمعنى على هذه القراءة: أم اتخذوا آلهة لا يموتون يحيون أبدا. معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/٣٨٨، البحر المحيط ٦/٣٠٤..
٨ انظر البحر المحيط ٦/٣٠٤..
٩ في ب: فصل..
١٠ أي: سقط من ب..
١١ في الأصل: أنكرا. وهو تحريف..
١٢ من قوله تعالى: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم [يس: ٧٨]..
١٣ انظر الكشاف في ٣/٧، والفخر الرازي ٢٢/١٥٠..
١٤ أي: أن من للتبيين..
١٥ انظر الكشاف في ٣/٧، الفخر الرازي ٢٢/١٥٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود