ﭬﭭﭮﭯﭰﭱ

لا يسبقونه أي : لا يتقدمونه بالقول ، ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم به. وهذه صفة أخرى لهم، منبهة على كمال طاعتهم وانقيادهم لأمره تعالى، أي : لا يقولون شيئًا حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به. وأصله : لا يسبق قولُهم قولَه، ثم أسند السبق إليهم ؛ لمزيد تنزههم عن ذلك، وهم بأمره يعملون أي : لا يعملون إلا ما أمرهم به، وهو بيان لتبعيتهم له تعالى في الأفعال، إثر بيان تبعيتهم له في الأقوال، فإن نفي سبقيتهم له تعالى بالقول : عبارة عن تبعيتهم له تعالى فيه، كأنه قيل : هم بأمره يقولون وبأمره يعملون، لا بغير أمره أصلاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أنوار الملكوت متدفقة من بحر أسرار الجبروت، من غير تفريع، ولا تولد، ولا علاج، ولا امتزاج، بل : كن فيكون، لكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأشياء وتفريع بعضها من بعض، ليبقى السر مصونًا والكنز مدفونًا. فأسرار الذات العلية منزّهة عن اتخاذ الصاحبة والولد، بل القدرة تُبرز الأشياء بلا علاج ولا أسباب، والحكمة تسترها بوجود العلاج والأسباب. فكل ما ظهر في عالم التكوين قد عَمَّتْهُ قهرية العبودية، وانتفت عنه نسبة البُنوة لأسرار الربوبية، فأهل الملأ الأعلى عباد مكرمون، مقدّسون من دنس الحس، مستغرقون في هَيَمَان القرب والأنس، وأهل الملأ الأسفل مختلفون، فمن غلب عقلُه على شهوته، ومعناه على حسه، وروحانيته على بشريته، فهو كالملائكة أو أفضل. ومن غلبت شهوته على عقله، وحسه على معناه، وبشريته على روحانيته، كان كالبهائم أو أضل. ومن التحق بالملأ الأعلى، من الأولياء المقربين، انسحب عليه ما مدحهم به تعالى من قوله : يُسبحون الليل والنهار لا يَفْتُرون ، ومن قوله : لا يسبقونه بالقول ، بأن يدبروا معه شيئًا قبل ظهور تدبيره، وهم بطاعته يعملون، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشية هيبته مشفقون، ومَن يقل منهم إني إله من دونه ؛ بأن يدّعي شيئًا من أوصاف الربوبية، كالكبرياء، والعظمة على عباده، فذلك نجزيه جهنم، وهي نار القطيعة، كذلك نجزي الظالمين. وفي الحِكَم :" منعك أن تدّعي ما ليس لك مما للمخلوقين، أفيبيح لك أن تدّعي وصفه وهو رب العالمين " ؟


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير