فعندئذ يسمعون ويعتذرون ويعترفون حين لا ينتفعون، أي يعترفون بظلم أنفسهم وبكفرهم حين لا ينفعهم الاعتراف.
٥- لا عدل أدق وأضبط وأحكم فوق عدل الله، فموازينه لأهل يوم القيامة أو في يوم القيامة غاية العدل، فلا ينقص من إحسان محسن، ولا يزاد في إساءة مسيء، وإن كان العمل أو الشيء الذي قدمه المحسن مثقال حبة الخردل، ومثقال الشيء: ميزانه من مثله، وكفى بالله مجازيا على ما قدم الناس من خير أو شر، وكفى به محصيا عادا لأعمال عباده، وألا أحد أسرع حسابا منه، والحساب:
العد، والغرض من ذلك التحذير.
والغرض من قوله: حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ المبالغة في أن الشيء مهما صغر أو كبر غير ضائع عند الله تعالى.
٦- الذي وردت به الأخبار وعليه أكثر العلماء هو أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله، فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة. قال حذيفة رضي الله عنه: «صاحب الميزان يوم القيامة: جبريل عليه السلام».
وقيل عن مجاهد وقتادة والضحاك: ذكر الميزان مثل، وليس ثمّ ميزان، وإنما هو العدل.
القصة الأولى- قصة موسى عليه السلام مقارنة بين خصائص التوراة وخصائص القرآن
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٨ الى ٥٠]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)
الإعراب:
وَضِياءً فيه محذوف تقديره: ذا ضياء، فحذف المضاف، وأدخل واو العطف على ضِياءً وإن كان في المعنى وصفا دون اللفظ، كما يدخل على الوصف إذا كان لفظا، كقوله تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الأنفال ٨/ ٤٩] وكقولهم: مررت بزيد وصاحبك أي مررت بزيد صاحبك، فدل هذا وغيره على أن الواو تدخل على الوصف إذا كان لفظا أو كان وصفا في المعنى. وقرئ ضياء بغير واو على أنه حال من الفرقان.
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ صفة لِلْمُتَّقِينَ أو مدح لهم.
بِالْغَيْبِ حال من الفاعل أو المفعول.
المفردات اللغوية:
الْفُرْقانَ التوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام، وهي أيضا ضياء تنير طرق الهدى، والذكر، أي الموعظة التي يوعظ بها، لما فيها من عبرة. يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ أي يخافون عذابه. بِالْغَيْبِ في حال الخفاء عن الناس. وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ أي من أهوالها.
مُشْفِقُونَ خائفون.
وَهذا ذِكْرٌ أي وهذا القرآن أيضا ذكر أي تذكير وعظة. مُبارَكٌ أي كثير الخير غزير النفع. أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أي أفتنكرونه، وهو في غاية الجلاء والوضوح؟ والاستفهام فيه للتوبيخ.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى رسوله صلّى الله عليه وسلم أن يقول لقومه: إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ أتبعه ببيان أن هذه سنة الله تعالى في أنبيائه، فقد أنزل الوحي عليهم ليكون ما تضمنه من الشريعة والأحكام سببا لهداية البشر.
وبعد أن أبان تعالى أدلة التوحيد والنبوة والمعاد شرع في التذكير بقصص الأنبياء عليهم السلام تسلية لرسوله صلّى الله عليه وسلم فيما يناله من قومه، وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر عليها، وهذه هي القصة الأولى- قصة موسى وهارون عليهما السلام.
التفسير والبيان:
كثيرا ما يقرن الله تعالى بين الحديث عن موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وبين كتابيهما، ليبين امتداد صلة النبوة وصلة الوحي، وليشير إلى وجود الشبه الكثير بين التوراة في أصلها الصحيح وبين القرآن الكريم في كمال الشريعة الشاملة للدين والدنيا، والعقيدة والعبادة، فقال تعالى:
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ أي وو الله لقد أعطينا موسى وهارون كتابا شاملا لأحكام الشريعة، وهو التوراة الذي هو كتاب فرق الله فيه بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وهو أيضا منار يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة للتوصل إلى طريق الهداية والنجاة، وهو كذلك عظة وتذكير يتعظ به المتقون ربهم وهم ذوو الأوصاف التالية:
١- خشية الله في السر:
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ أي الذين يخافون عذاب ربهم، فيأتمرون بأمره، وينتهون بنهيه، في حال الخفاء والسر والخلوات حيث لا يطلع عليهم أحد من الناس، قال الرازي: وهذا هو أقرب المعاني.
وقد تكرر في القرآن الكريم التركيز على هذا المعنى، كما في قوله تعالى:
مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ، وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق ٥٠/ ٣٣] وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك ٦٧/ ١٢].
٢- الخوف من يوم القيامة:
وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ أي وهم من القيامة وأهوالها وسائر ما يحدث فيها من الحساب والسؤال خائفون وجلون. وفي تصدير الضمير وبناء الحكم عليه مبالغة وتعريض.
وكما أن هذه خصائص التوراة، فكذلك خصائص القرآن مثلها فقال تعالى:
وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أي وهذا القرآن العظيم المنزل عليك تذكير وعظة، ومبارك فيه بكثرة منافعه وغزارة خيره.
أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ؟ أي فمثل هذا الكتاب مع كثرة منافعه كيف يمكنكم إنكاره؟ وكيف تنكرونه وهو في غاية الجلاء والوضوح؟ وهو أيضا معجز لاشتماله على النظم العجيب والبلاغة البعيدة، والأدلة العقلية، وبيان الشرائع، فكيف تنكرون إنزاله من عند الله، وأنتم خير من يقدّر روعة الكلام وفصاحة اللسان وإحكام البيان؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
اقتصر البيان في قصة موسى وهارون عليهما السلام على كتاب التوراة ليقرن الكلام عنه مع الكلام عن القرآن الكريم.
وقد تبين من الآيات أن التوراة فرقان بين الحق والباطل والحلال والحرام والغي والرشاد، وضياء يستضاء بها لسلوك طريق الهداية والنجاة، مثل قوله عنها في آية أخرى إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [المائدة ٥/ ٤٤] وعظة وتذكير للمتقين.
وهي أيضا أوصاف القرآن في آيات أخرى، فقال تعالى: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ، وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [آل عمران ٣/ ٤]. تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان ٢٥/ ١]. وقال سبحانه: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [المائدة: ٥/ ١٥] وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ [الأعراف ٧/ ١٥٧]. وقال جل جلاله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل ١٦/ ٤٤] وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي