ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩ

( وأيوب إذ نادى( أي دعا ( ربه( على طريقة ونوحا إذ نجينا في وجوه الأعراب قال وهب بن منبه كان أيوب عليه السلام رجلا من الروم وهو أيوب بن أحرص بن رازخ بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام وكانت أمه من ولد لوط بن هاران، وكان الله قد اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا وكانت له الثنية من أرض الشام كلها سهلها وجبلها وكان له فيها من أصناف المال كله من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمر ما لا يكون لرجل أفضل منها في العدة والكثرة، وكان له خمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد ومال ويحمل آلة كل فدان أتان ولد كل أتان اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك، وكان الله عز وجل أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء وكان برا تقيا رحيما بالمساكين يطعم المساكين ويكفل الأرامل والأيتام ويكرم الضيف ويبلغ أبناء السبيل وكان شاكرا لأنعم الله مؤديا لحق الله قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى والعزة والغفلة والشاغل عن أمر الله بما فيه من الدنيا وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وصدقوه رجل من أهل اليمين يقال له البقن ورجلان من أهل بلده يقال لأحدهما يلد وللآخر صافر وكانوا كهؤلاء فكان إبليس لا يحجب عن شيء من السماوات وكان يقف فيهن حيث ما أراد حتى رفع الله عيسى عليه السلام فحجب عن أربع فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حجب من الثلاث الباقيات فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب وذلك حين ذكر الله واثني عليه فأدركه البغي والحسد وصعد سريعا حتى وقف من السماء موقفا كان يفقه فقال إلهي نصرت من أمر عبدك أيوب فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك ولو ابتلته بنزع ماطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك ولخرج من طاعتك قال الله انطلق فقد سلطتك على ماله فانقص عدو إبليس حتى وقع إلى الأرض ثم جمع عفاريت الجن ومردة الشياطين قال لهم فماذا عندكم من القوة فإني قد سلطت على مال أيوب وهي المصيبة الفادحة التي لا يصبر عليها الرجال فقال عفريت من الشياطين أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من النار واحترقت كل شيء أتى عليها قال له إبليس فأت الإبل حين وضعت وثبتت في مراعيها فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصارا من نار لا يدنوا من شيء إلا قد احترقت فأحرقها ورعاها حتى أتى على آخرها ثم جاء عدو الله إبليس في صورة قيم عليها على قعود إلى أيوب فوجده أيوب الحمد لله الذي هو أعطاها وهو أخذها وقد عاما وطنت مالي نفسي على الغنى قال إبليس فإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت فنزلت الناس مبهوتين يتعجبون منها منهم من يقول ما كان أيوب يعبد شيئا وليه منهم من يقول بل هو الذي فعل ليشمت به عدوه ويفجع صديقه قال أيوب الحمد لله حين أتاني وحين نزع مني عريانا خرجت من بطن أمي عريانا وأحشر إلى الله عز وجل ليس لك أن تفرح حين أعارك وتجزع حين قبض عاريته الله أولى بك وبما أعطاك ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيدا ولكنه علم منك شرا فأخرجك فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئا دليلا فقال لهم : ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم قلبه ؟ قال عفريت عندي من القوة ما إذا شئت صحت صيحة لا سمعه ذو روح خرجت مهجة نفسه قال إبليس فأت الغنم ورعاها فانطلق حتى توسطها صاح صيحة فحتمت أمواتا عند آخرها وما رعاها ثم جاء متمثلا بقهرمان الرعاة إلى أيوب وهو يصلي فقال له مثل القول الأولى فرد أيوب عليه مثل الرد الأول، ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال : ما عندكم من القوة فإني لم أكلم قلب أيوب ؟ فقال عفريت عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحا عاصفا ينشف كل شيء يأتي عليه قال : فأت الفدادين والحرث فانطلق فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف فنسفت كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن ثم جاء إبليس متمثلا بقهرمان الحرث إلى أيوب وهو قائم يصلي فقال له مثل القول الأول فرد عليه مثل رد الأول كلما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمدا لله وأحسن الثناء عليه ورضي منه بالقضاء ووطن نفسه بالصبر على البلاء حتى لم يبق له مال. فلما إبليس أنه قد أفنى ماله صعد فقال ولده فإنها المصيبة التي لا يقوم لها قلوب الرجال قال الله تعالى : وقد سلطتك على ولده فانقض عدو الله حتى جاء بني لأيوب وهم في قصرهم فلم يزل يزلزل بهم من قواعدها ثم جعل يناطح جدره بعضها ببعض ويرميهم بالخشب والجندل حتى إذا مثل بهم كل مثل رفع القصر فقلبه فصاروا منكوسين وانطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه فأخبره وقال لو رأيت بنيك كيف عذبوا وقلبوا فكانوا منكسين على رؤوسهم يسيل دمائهم و دماغهم ولو رأي كيف سقطت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم تقطع قلبك فلم يزل يقول هذا ونحوه حتى رق أيوب فبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه وقال : ليت أمي لم تلدني فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به ثم لم يلبث أيوب إن فاء وأبصر واستغفر وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته فسبقت توبته إلى الله عز وجل وهو أعلم فوقف إبليس ذليلا فقال يا إلهي إنما هون على أيوب المال والولد إنه يرى، منك ما متعته بنفسه فأنت تعيد المال والولد فهل أنت تسلطني على جسده فقال الله تعالى انطق سلطتك على جسده ولكن ليس سلطان على لسان ولا على قلبه وكان الله عز وجل أعلم به لم يسلط عليه إلا رحمة ليعظم له الثواب وجعله عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم ليأنسوا به في الصبر ورجاء الثواب فانقض عدو الله سريعا فوجد أيوب ساجدا فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل وجهه فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جميع جسده فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أكباد الغنم وقعت فيه حكة فحك بأظفار حتى سقطت كلها ثم حك بالمسموح الخشنة حتى قطعها ثم حكها بالفخار والحجارة الخشنة ثم لا يزال يحكها حتىى نفل لحمه وتقطع وتغيروا نتن فأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشا فرفضه خلق الله كلهم غير امرأته رحمة بنت أفرا ثيم بن يوسف بن سعقوب وقيل هي بنت يوسف كما ذكرنا في سورة يوسف كأنت تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه فلما رأى الثلاثة أصحابه وهو أيقن ويلدد وصافر ما ابتلاه الله به اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه فلما طال به البلاء انطلقوا إليه فبكتوه ولاموه وقالوا له تب إلى الله من الذنب الذي عوقبت به قال الراوي حضر معهم فتى حديث السن قد آمن بده وصدقه لهم إنكم يكلمهم أيها الكهول وكنتم أحق بالكلام لأسنانكم ولكن قد تركتم من القول أحسن من الذي قلتم ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم وقد كان لأيوب عليكم من الحق والزمام من الذي وصفتم فهل تدرون أيها الكهول أن أيوب نبي الله وخيرته وصفوته من أهل الأرض يومكم هذا ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله على أنه سخط شيئا من أمرهم منذ أتاه ما أتاه إلى يومكم هذا ولا على أنه نزع شيئا من الكرامة التي أكرمه بها ولا إن أيوب قال على الله الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا فإن كان هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في أنفسكم فقد علمتم أن الله يبتلي النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وليس بلاؤه لأولئك بدليل على سخطه عليهم ولا لهوانه لهم ولكنه كرامة وخيرة لهم ولو كان أيوب ليس من الله بهذه المنزلة إلا أنه أخ أخيتموه على وجه الصحبة لكان لا يحل بالحليم أن يعتزل أخاه عند البلاء ولا يعتبره بالمصيبة ولا يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين ولكنه يرحمه ويبكي معه ويستغفر بحزن يحزنه ويدله على مراشد أمره وليس بحكيم ورشيد من جهل هذا، فالله أيها الكهول وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم ويكسر قلوبكم ألم تعلموا أن لله عبادا أسكتهم خشيته من غير عي ولا بكم وانهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء الألباء العالمون بالله ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم واقشعرت جلودهم وانكسرت قلوبهم وطاشت عقولهم إعظاما لله وجلاله فإذا استقاموا من ذلك اسبقوا إلى الله بالأعمال الزكية يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين وأنهم الأبرار البراء ومع المقصرين المفرطين وأنهم لأكياس أقوياء فقال أيوب الله سبحانه يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير فمتى تنبت بالقلب يظهرها الله على اللسان وليست تكون الحكمة من قبل السن والشيبة ولأطول التجربة وإذا جعل الله العبد حكيما في الصبا لم يسقط منزلته عند الحكماء وهم يرون من الله نور الكرامة، ثم اعرض عنهم أيوب وأقبل على ربه مستغيثا به متضرعا إليه فقال رب أي شيء خلقتني ليتني كرهتني لم تخلقني يا ليتني قد عرفت الذنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني لو كنت إذا أذنبت ذنبا أمتني فألحقني بآبائي فالموت كان أجمل بي ألم أكن للغريب دارا وللمسكين قرارا ولليتيم وليا وللأرملة قيما إلهي أنا عبدكم إن أحسنت فلان لك وغن أسأت فبيدك عقوبتي جعلتني للبلاء عرضا وللفتنة نصبا وقد وقع على بلاء لو سلطته على جبل ضعف من حمله فكيف يحمل ضعفي وإن قضائك هو الذي أذلني وإن سلطانك هو الذي أسقمني وأنحل جسمي ولو أن ربي نزع الهيبة في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملأ فمي ثم كان ينبغي للعبد أن يحاج على نفسه لرجوت أن يعاقبني عند ذلك مما بي ولكنه أتعاني وتعالى عني فهو يراني ولا أراه ويسمعني ولا أسمعه لا نظر إلي ورحمني ولا دنى مني ولا أدناني فأدنى بعذري وأتكلم ببرأتي وأخاصم عن نفسي فلما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب ثم نودي يا أيوب أن الله يقول ها أنا قد دنوت منك ولو أزل منك قريبا قم، فأذل بعذرتك وتكلم ببرأتك وخاصم عن نفسك وأشدد إزارك وقم مقام جبار يخاصم جبارا إن استعطت فإنه لا ينبغي أن يخاصمني الإجبار مثلي لقد منتك نفسك يا أيوب أمرا تبلغ بمثل قوتك أين أنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها هل كنت معي تمد أطرافها هل علمت بأي مقدار قدرتها أم على أي شيء وضعت أكنافها أبطاعتك حمل الماء الأرض أم بكمتك كانت الأرض للماء غطاء ؟ أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا تعلق بسبب من فوقها ولا يقلها دعم من تحتها هل تبلغ من حكمتك أن تجري نورها أو تسير نجومها أو تختلف بأمرك ليلها ونهارها ؟ أي أنت مني يوم نبعث الأنهار وسكرت البحار أسلطانك حبس أمواج البحر على حدودها، أم قدرتك فتحت الأرحام حين بلغت مدتها ؟ أين أنت مني يوم حبست الماء على التراب ونصبت شوامخ الجبال هل تدري على أي شيء أرسيتها أم بأي مثقال وزنتها أم هل لك من ذراع يطبق حملها أم هل تدري مكن أين الماء الذي أنزلت من السماء أم هل تدري من أي شيء أنشئ السحاب أم هل تدري أين خزانة الريح وبأي لغة تتكلم الأشجار ؟ من جعل العقول في أجواف الرجال ومن شق الأسماع والأبصار ونمن ذلت الملائكة لملكه وقهر الجبارين لجبروته وقسم الأرزاق بحكمته في كلام كثير من آثار قدرته ذكرها لأيوب.
فقال أيوب صغر شأني وكل لساني وعقلي ورائي وضعفت قوتي عن هذا الأمر الذي تعرض لي يا إلهي قد عملت أن كل الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك وأعظم من ذلك وأعجب لو شئت عملت لا يعجزك شيء ولا يخفى عليك خافية إذ لقيني البلاء يا إلهي فتكلمت ولم أملك وكان البلاء هو الذي أنطقني فليت الأرض انشقت لي فذهبت فيها ولم أتكلم لشيء ي

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير