وَ (سُكَارَى) : حَالٌ عَلَى الْأَوْجُهِ كُلِّهَا ; وَالضَّمُّ وَالْفَتْحُ فِيهِ لُغَتَانِ قَدْ قُرِئَ بِهِمَا، وَسَكْرَى مِثْلَ مَرْضَى، الْوَاحِدُ سَكْرَانُ، أَوْ سَكِرٌ، مِثْلَ زَمِنٍ وَزَمْنَى.
وَيُقْرَأُ (سُكْرَى) مِثْلَ حُبْلَى ; قِيلَ: هُوَ مَحْذُوفٌ مِنْ سُكَارَى ; وَقِيلَ: هُوَ وَاحِدٌ مِثْلَ حُبْلَى ; كَأَنَّهُ قَالَ تَرَى الْأُمَّةُ سُكْرَى.
قَالَ تَعَالَى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ يُجَادِلُ) : هِيَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ.
وَ (بِغَيْرِ عِلْمٍ) : فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ، أَوْ حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنَّهُ) : هِيَ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِكُتِبَ.
وَيُقْرَأُ كَتَبَ - بِالْفَتْحِ ; أَيْ كَتَبَ اللَّهُ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
وَ (مَنْ تَوَلَّاهُ) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ. وَ «مَنْ» شَرْطٌ، وَجَوَابُهُ «فَإِنَّهُ» وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَ «فَأَنَّهُ» الْخَبَرُ، وَدَخَلَتْ فِيهِ الْفَاءُ لِمَا فِي الَّذِي مِنْ مَعْنَى الْمُجَازَاةِ، وَفُتِحَتْ «أَنَّ» الثَّانِيَةُ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: فَشَأْنُهُ أَنَّهُ، وَفِيهَا كَلَامٌ آخَرُ قَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَهُ فِي (أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ) [التَّوْبَةِ: ٦٣].
وَقُرِئَ بِالْكَسْرِ فِيهَا حَمْلًا عَلَى مَعْنَى: قِيلَ لَهُ.
قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الْبَعْثِ) : فِي مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِرَيْبٍ ; أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِرَيْبٍ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ: الْبَعَثِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَهِيَ لُغَةٌ.
(وَنُقِرُّ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الضَّمِّ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ ; إِذْ لَيْسَ الْمَعْنَى: خَلَقْنَاكُمْ لِنُقِرَّ.
وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا فِي اللَّفْظِ. وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ ; لِأَنَّ اللَّامَ فِي «لِنُبَيِّنَ» لِلتَّعْلِيلِ، وَاللَّامُ الْمُقَدَّرَةُ مَعَ نُقِرُّ لِلصَّيْرُورَةِ.
وَقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الْقَافِ وَالرَّاءِ ; أَيْ نُسْكِنُ.
وَ (طِفْلًا) : حَالٌ، وَهُوَ وَاحِدٌ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: نُخْرِجُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ طِفْلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ) [النُّورِ: ٤]. أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ ; فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ. (مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) : قَدْ ذُكِرَ فِي النَّحْلِ [النَّحْلِ: ٧٠].
(وَرَبَتْ) : بِغَيْرِ هَمْزٍ، مِنْ رَبَا يَرْبُو، إِذَا زَادَ.
وَقُرِئَ بِالْهَمْزِ ; وَهُوَ مِنْ رَبَأَ لِلْقَوْمِ وَهُوَ الرَّبِيئَةُ، إِذَا ارْتَفَعَ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ لِيَنْظُرَ لَهُمْ ; فَالْمَعْنَى: ارْتَفَعَتْ.
(وَأَنْبَتَتْ) : أَيْ أَشْيَاءَ، أَوْ أَلْوَانًا، أَوْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ زَوْجًا، فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ. وَعِنْدَ الْأَخْفَشِ: «مِنْ» زَائِدَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ «بِأَنَّ اللَّهَ» الْخَبَرُ.
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي