ثم علل ذلك بقوله : إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ وهم المؤمنون. وقيل : الصحابة، يقولون : رَبَّنَا آمَنَّا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الرحمين قرأ الجمهور : إنه كان فريق بكسر إن استئنافاً تعليلياً. وقرأ أبيّ بفتحها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ قال : حين نفخ في الصور، فلا يبقى حيّ إلا الله. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه، أنه سئل عن قوله : فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ وقوله : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ [ الصافات : ٢٧، الطور : ٢٥ ] فقال : إنها مواقف، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون عند الصعقة الأولى، لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه عنه أيضاً، أنه سئل عن الآيتين فقال : أما قوله : وَلاَ يَتَسَاءلُونَ فهذا في النفخة الأولى حين لا يبقى على الأرض شيء، وأما قوله : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ [ الصافات : ٥٠ ] فإنهم لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن ابن مسعود قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والآخرين. وفي لفظ : يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رؤوس الأوّلين والآخرين، ثم ينادي منادٍ : ألا إن هذا فلان بن فلان، فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه. وفي لفظ : من كان له مظلمة فليجيء فليأخذ حقه، فيفرح والله المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك في كتاب الله : فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ . وأخرج أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي في سننه عن المسْور بن مخرمة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري ). وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم والحاكم، والضياء في المختارة : عن عمر بن الخطاب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي ). وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري ). وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر :( ما بال رجال يقولون : إن رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينفع قومه، بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فرط لكم ). وأخرج ابن جرير عن ابن عباس : تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار قال : تنفح. وأخرج ابن مردويه، والضياء في صفة النار عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله :( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار قال : تلفحهم لفحة فتسيل لحومهم على أعقابهم ). وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود في الآية قال : لفحتهم لفحة فما أبقت لحماً على عظم إلا ألقته على أعقابهم. وأخرج أحمد وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه في قوله : وَهُمْ فِيهَا كالحون قال : تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود في الآية قال : كلوح الرأس النضيج بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس : كالحون قال : عابسون. وقد ورد في صفة أهل النار وما يقولونه وما يقال لهم أحاديث كثيرة معروفة. وأخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن السني في عمل اليوم والليلة، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود ؛ ( أنه قرأ في أذن مصاب : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً حتى ختم السورة فبرئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«بماذا قرأت في أذنه ؟» فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( والذي نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأ بها على جبل لزال ). وأخرج ابن السني وابن منده، وأبو نعيم في المعرفة، قال السيوطي : بسند حسن، من طريق محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا أن نقول إذا أمسينا وأصبحنا : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فقرأناها فغنمنا وسلمنا اهـ.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني