ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡ

فإنْ قيل : فكيف١٨ يصح أن يقولوا في جوابهم : لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ . ولا يقع الكذب من أهل النار ؟ فالجواب : لعلّهم نسوا لكثرة ما هم فيه من الأهوال، وقد اعترفوا بهذا النسيان وقالوا :«فَاسْأَلِ العَادِّينَ ». قال ابن عباس : أنساهم ما كانُوا فيه من العذاب بين النفختين.
وقيل : مرادهم بقولهم : لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة إلى ما وقعوا فيه من العذاب١. وقيل : أرادوا أن لبثهم في الدنيا يوماً أو بعض يوم من أيام الآخرة، لأن يوم القيامة مقداره خمسين ألف سنة.

فصل


اختلفوا في أنّ٢ السؤال عن أيّ لبث ؟ فقيل عن لبثهم أحياء في الدنيا، فأجابوا بأَنّ قدر لبثهم كان يسيراً بناء على أنّ الله أعلمهم أنَّ الدنيا متاع قليل وأن الآخرة هي دار القرار.
وقيل : المراد اللبث في حال الموت، لأنَّ قوله :«فِي الأَرْضِ » يفيد الكَوْن في الأَرض أي : في القبر، والحيّ إِنّما يقال فيه أنّه على الأرض. وهذا ضعيف لقوله : وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض ٣ [ الأعراف : ٥٦ ]، واستدلوا أيضاً بقوله : وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ٤ ٥ [ الروم : ٥٥ ] ثم قالوا :«فَاسْأَلِ العَادِّينَ » أي : الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويُحْصُونها عليهم، وهذا قول عكرمة. وقيل الملائكة الذين يعدّون أيام الدنيا. وقيل : المعنى سَلْ من يعرف عدد ذلك فإنّا نسيناه٦. وقُرئ «العَادِينَ » بالتخفيف، وهي قراءة الحسن والكسائي في رواية٧ جمع ( عَادِي ) اسم فاعل من ( عَدَا ) أي : الظلمة فإنّهم يقولون مثل ما قلنا ٨.
وقيل : العَادين : القدماء المعمرين، فإنّهم سيقصرونها. قال٩ أبو البقاء : كقولك : هذا بئر عَاديَة١٠، أي ؛ سل من تقدّمنا، وحذف إحدى ياءي النسب كما قَالُوا : الأشعرون، وحُذفت الأخرى لالتقاء الساكنين١١. قال شهاب الدين : المحذوف أَوّلاً الياء الثانية ؛ لأنّها المتحركة وبحذفها يلتقي ساكنان١٢. ويؤيد ما ذكره أبو البقاء ما نقله الزمخشري قال : وقُرئ ( العَادِيين١٣ أي : القدماء المعمرين، فإنهم يستقصرُونَها، فكيف بِمَن دُونهم١٤ ؟ قال ابن خالويه : ولغة أخرى العَادِيّين١٥ يعني : بياء مشددة جمع عَادِيّة بمعنى القدماء١٦ ١٧.

فصل


احتجّ من أنكر عذاب القبر بهذه الآية فقال : قوله : كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض، وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض، فلو كانُوا معذبين في القبر لعلموا أنَّ مدة مكثهم في الأرض طويلة، فلم يقولوا : لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ .
والجواب من وجهين :
الأول : أنّ الجواب لا بُدّ وأن يكون بحسب السؤال، وإنّما سألوا عن موتٍ لا حياةَ١٨ بعده إلاّ في الآخرة، وذلك لا يكون إلاّ بعد عذاب القبر.
والثاني : يحتمل أن يكونُوا سألوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه، فلا مدخل في١٩ تقدّم٢٠ موت بعضهم على بعض فيصح أن يكون جوابهم لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ عند أنفسنا٢١.
١ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٣/١٢٧..
٢ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٣/١٢٧ – ١٢٧..
٣ [الأعراف: ٥٦-٨٥]..
٤ [الروم: ٥٥]..
٥ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٣/١٢٧ – ١٢٨..
٦ انظر الفخر الرازي ٢٣/١٢٨..
٧ المختصر (٩٩)، البحر الطويل ٦/٤٢٤..
٨ انظر الكشاف ٣/٥٨، البحر الطويل ٦/٤٢٤..
٩ في ب: قاله..
١٠ شجرة عادية أي قديمة، كأنها نسبت إلى عاد، وهم قوم هود النبي – صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم – وكل قديم ينسبونه إلى عاد وإن لم يدركهم. اللسان (عدا)..
١١ التبيان ٢/٩٦٢، البيان ٢/١٩٠..
١٢ الدر المصون: ٥/٩٥..
١٣ في ب: العادين..
١٤ الكشاف ٣/٥٨..
١٥ المختصر (٩٩)..
١٦ البحر المحيط ٦/٤٢٤..
١٧ ما بين القوسين سقط من الأصل..
١٨ في ب: إلا حياة..
١٩ في: سقط من ب..
٢٠ في ب: تقدم..
٢١ انظر الفخر الرازي ٢٣/١٢٨..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية