فأجاب الله سؤاله وقال : عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ١ .
قوله :«عَمَّا قَلِيلٍ » في ( ما ) هذه وجهان :
أحدهما : أنّها مزيدة بين الجار والمجرور٢ للتوكيد٣ كما زيدت الباء نحو :«فَبِمَا رَحْمَةٍ »٤، وفي من٥ نحو «مِمَّا خَطَايَاهُمْ٦ ».
و «قَلِيلٍ » صفة لزمن محذوف، أي : عن زمن قليل٧.
والثاني : أنّها غير زائدة، بل هي نكرة بمعنى شيء أو زمن، و «قَلِيلٍ » صفتها٨، أو بدل منها٩ ١٠، وهذا الجار فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّه متعلق بقوله :«لَيُصْبِحُنَّ »، أي : ليصبحن عن زمن قليل نادمين ١١.
الثاني : أنه متعلق ب «نَادِمِين »١٢، وهذا على أحد الأقوال في لام القسم، وذلك أنّ فيها ثلاثة أقوال :
جواز تقديم معمول ما بعدها عليها مطلقاً، وهو قول الفراء وأبي عبيدة.
والثاني : المنع مطلقاً، وهو قول جمهور البصريين.
والثالث : التفصيل بين الظرف وعديله وبين غيرهما، فيجوز للاتساع١٣ ويمتنع في غيرهما فلا يجوز في : والله لأضربن زيداً، زيداً لأضربن لأنه غير ظرف ولا عديله١٤.
والثالث من الأوجه المتقدمة : أنّه متعلق بمحذوف تقديره : عَمّا قَلِيلٍ تنصر حذف لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله :«رَبّ انْصُرْنِي »١٥. وقرئ :«لَتُصْبِحُنَّ » بتاء الخطاب١٦ على الالتفات، أو على أنَّ القول صدر من الرسول لقومه بذلك.
قوله :«عَمَّا قَلِيلٍ » الآية معناه أنه يظهر لهم علامات الهلال فعند ذلك يحصل لهم الحسرة١٧ والندامة على ترك القبول١٨.
٢ البيان ٢/١٨٥، التبيان ٢/٩٥٥..
٣ في الأصل: بالتوكيد..
٤ من قوله تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم [آل عمران: ١٥٩]..
٥ انظر شرح الكافية الشافية ٢/٨١٦ شرح التصريح ٢/٢٠، الهمع ٢/ ٣٧ – ٣٨، شرح الأشموني ٢/٢٣٠..
٦ من قوله تعالى: مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا [نوح: ٢٥]. و"خطاياهم" قراءة أبي عمرو، وقراءة الباقين "خطيئاتهم" انظر السبعة (٦٥٣)، الكشف ٢/٢٣٧..
٧ انظر البحر المحيط ٦/٣٠٥..
٨ في الأصل: صفتهما..
٩ في ب: منهما..
١٠ انظر التبيان ٢/٩٥٥..
١١ انظر التبيان ٢/٩٥٥، البحر المحيط ٦/٤٠٦..
١٢ انظر التبيان ٢/٩٥٥، البحر المحيط ٦/٤٠٦..
١٣ في ب: الاتساع..
١٤ وهو رأي ابن مالك. وانظر هذه الأقوال في الهمع ٢/٤٤..
١٥ انظر البيان ٢/١٨٥..
١٦ البحر المحيط ٦/٤٠٦..
١٧ في ب: الخسران..
١٨ انظر الفخر الرازي ٢٣/١٠٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود