ﰊﰋﰌﰍﰎﰏ

[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٢ الى ٤٤]

ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)
«١» «٢» «٣» [المؤمنون: ٢٣/ ٤٢- ٤٤].
هذه الآيات إجمال لقصص ثلّة رفيعة من الأنبياء والمرسلين، وهم صالح ولوط وشعيب وغيرهم عليهم الصلاة والسلام، ووجودهم تابع لإيجاد أقوامهم وأممهم، كل أمة مع رسولها في فترة زمنية معينة، وفي وقت مقدّر لا يتجاوزونه، ومفاد الآيات:
أخبر الله تعالى عن أنه أنشأ وأوجد بعد هلاك قوم نوح وعاد قوم هود أمما وخلائق أخرى، كقوم صالح ولوط وشعيب وأيوب ويوسف وغيرهم عليهم السلام، ليقوموا مقام من تقدمهم في عمارة الدنيا وتقدم الحياة. وكل شيء بميعاد وفي كتاب لا يتعداه في وجوده، فلا تتقدم أمة مهلكة من تلك الأمم وقتها المقدّر لهلاكها أبدا، أو المؤقت لعذابها إن لم يؤمنوا، ولا تتأخر عن الأجل المحدد، والمراد أن وقت الهلاك محدد معلوم في علم الله، لا يتقدم ولا يتأخر، فلا يتعجل أحد العذاب، لأن كل شيء عند الله بمقدار، والموت مرتبط بأجل الإنسان لا يتقدم ولا يتأخر، كما قال الله تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل: ١٦/ ٦١].
ثم أخبر الله سبحانه عن أنه أرسل رسلا آخرين في كل أمة، يتبع بعضهم بعضا، وهذا هو المراد بكلمة «تترى» فهو مصدر بمنزلة فعل، من تواتر الشيء، لا فعل بمعنى متواترين متتابعين، وإرسال الرسل سنة دائمة في البشرية، كما قال الله سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل: ١٦/ ٣٦].
(١) أمما أخرى.
(٢) متتابعين.
(٣) مجرد أخبار للتعجب.

صفحة رقم 1693

وكلما جاء الرسول لأمة، بتكليفهم بالشرائع والأحكام كذّبه جمهورهم وأكثرهم، سالكين في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدمهم، ممن أهلكهم الله بالغرق أو الريح الصرصر العاتية، أو الصيحة، أي الصوت الشديد المهلك لجبريل عليه السلام، كما جاء في آية أخرى: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) [يس: ٣٦/ ٣٠]. فكان الجزاء المرتقب أن الله سبحانه أتبع بعض الأقوام بعضهم الآخر بالهلاك والتدمير، يأتي بعضه إثر بعض، حين كذبوا الرسل، كقوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧) [الإسراء: ١٧/ ١٧]. وذلك الإنذار باق دائم ليوم القيامة.
وتصبح نتيجة الهلاك: أن تلك الأقوام يجعلهم الله أحاديث وأخبارا للناس، يتحدثون عن أحوالهم، تلهيا وتعجبا، كما قال الله سبحانه: فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ: ٣٤/ ١٩].
وخاتمة الإهلاك ما قاله الحق سبحانه: فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ أي هلاكا وتدميرا وبعدا عن رحمة الله، لقوم لا يصدقون به ولا برسوله، وهذا كلام وارد على سبيل الدعاء، والذم والتوبيخ والوعيد الشديد لكل كافر أو جاحد وجود الله، وهو ترسيخ لمبدأ ثابت: وهو أن تلك الأقوام العاتية كما أهلكوا عاجلا، فإن الهلاك لأمثالهم يأتي آجلا.
موسى وهارون وعيسى عليهم السلام
هذه أنباء مهمة عن ثلّة أو كوكبة أخرى من كبار الأنبياء والرسل: وهم موسى وهارون وعيسى عليهم السلام. أما موسى وهارون: فكانت مهمتهما خطيرة، ومخيفة، في بلاط فرعون المتأله الجبار، وقومه المستكبرين الفجار، وذلك من أجل

صفحة رقم 1694

التفسير الوسيط

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر - دمشق
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية