ثم يقول الحق سبحانه :
ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون ( ٦٢ ) :
بعد أن تكلم الحق سبحانه عن المسارعة والمنافسة بيّن أنها على قدر الوسع والطاقة، وأنه سبحانه ما كلفك إلا بعد علمه بقدرتك، وأنك تسع هذا التكليف، فإياك أن تنظر إلى الحكم فتقول : أنا أسعه أو لا أسعه، لكن انظر إلى التكليف : ما دام ربك قد كلفك فاعلم أنه في وسعك، وحين يعلم منك ربك عدم القدرة يخفف عنك التكليف دون أن تطلب أنت ذلك. والأمثلة على تخفيف التكاليف واضحة في الصلاة والصوم والحج.. إلخ.
والآن نسمع من يقول : لم تعد الطاقة في هذا العصر تسع هذه التكاليف، فالزمن تغير، والأعمال والمسئوليات كثرت، إلى غير ذلك من هذه الأقوال التي يريد أصحابها التنصّل من شرع الله. ونقول : ما دام التكليف باقيا فالوسع باق، والحق- سبحانه وتعالى- أعلم بوسع خلقه وطاقاتهم.
إذن : أنا أنظر أولا إلى التكليف، ثم أحكم على الوسع من التكليف، ولا أحكم على التكليف من الوسع.
ثم يقول سبحانه : ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون ( ٦٢ ) [ المؤمنون ] : المراد هنا كتاب أعمالنا١ الذي سجل فيه كل شيء قدمته الأيدي، لكن : ما الحكمة من تسجيل الأعمال ؟ وهل يكذب العباد ربهم عز وجل فيما سجل عليهم ؟.
قالوا : الحكمة من تسجيل الأعمال أن تكون حجة على صاحبها، وليعلم أن الله ما ظلمه شيئا، لذلك سيقول له ربه : اقرأ كتابك.. ( ١٤ ) [ الإسراء ] : يعني : بنفسك حتى تقام عليك الحجة، ولا يكون عندك اعتراض.
ثم قال بعدها : وهم لا يظلمون ( ٦٢ ) [ المؤمنون ] : لأن الظلم لا يتصور من الحق- سبحانه وتعالى- فالظلم نتيجة الحاجة، وأنت تظلم غيرك حين تريد أن تنتفع بأثر الغير في الخير زيادة عما عندك، فالظلم إذن نتيجة الحاجة، والحق سبحانه هو المعطي، وهو الغني الذي لا حاجة له إلى أحد، فلماذا يظلم ؟
كذلك قد يظلم الضعيف ليأخذ ما في يد غيره ليسد حاجته أو شهوته، ولو كان قويا لكفى نفسه بمجهوده.
تفسير الشعراوي
الشعراوي