ولما ذكر إنزال الآيات ذكر افتراق الناس إلى ثلاث فرق، فرقة آمنت ظاهرا وكفرت باطنا، وهم المنافقون، وفرقة آمنت ظاهرا وباطنا، وهم المخلصون، وفرقة كفرت ظاهرا وباطنا وهم الكافرون، وبدأ بالأولى، فقال :
وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذالِكَ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
يقول الحق جل جلاله : في شأن من لم يشأ هدايته إلى صراط مستقيم : ويقولون أي : المنافقون آمنا بالله وبالرسول ؛ بألسنتهم، وأطعنا الله والرسول في الأمر والنهي، ثم يتولى عن قبول حُكْمِهِ فريقٌ منهم مِن بعدِ ذلك أي : من بعد ما صدر عنهم من ادعاء الإيمان بالله وبالرسول والطاعة لهما.
قال الحسن : نزلت في المنافقين، الذين كانوا يُظهرون الإيمان ويسرون الكفر.
وقيل : نزلت في " بِشْر " المنافق، خاصم يهودياً، فدعاه إلى كعب بن الأشْرَف، ودعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بشر : لا، إن محمداً يحيفُ علينا - قبح الله سعيه. وقيل : في المغيرة بن وائل، خاصم عليّاً رضي الله عنه في أرض وماء، فأبى أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيا ما كان فصيغة الجمع تدل على أن للقائل طائفة يساعدونه ويشايعونه في تلك المقالة.
ثم حكم عليهم بالكفر، فقال : وما أولئك بالمؤمنين أي : المخلصين، والإشارة إلى القائلين : آمنا بالله وبالرسول، لا إلى الفريق المتولي منهم فقط، لئلا يلزم نفي الإيمان عنهم فقط، دون مَنْ قبلهم، بخلاف العكس، فإن نفى الإيمان عن القائلين يقتضي نفيه عنهم، على أبلغ وجه وآكده، وما فيه من معنى البعد ؛ للإشعار ببُعد منزلتهم في الكفر والفساد.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي