( والخامسة( قرأ الجمهور بالرفع على الابتداء وما بعده خبره أو على العطف على أن نشهد وقرأ حفص بالنصب عطفا على ( أربع شهادات( ( أن( قرأ نافع ويعقوب مخففة على أنها مصدرية والباقون مشددة ( غضب الله عليها( قرأ نافع ويعقوب بكسر الضاد على أنه فعل ماض من باب علم يعلم والله مرفوع على أنه فاعل للفعل والباقون بفتح الضاد بالنصب على أنه اسم إن والله بالجر على أنه مضاف إليه ( إن كان من الصادقين( فيما رماني به من الزنى أو نفي الولد أو منهما قال الشافعي لا يتعلق بلعانها إلا حكم واحد وهو سقوط حد الزنى، ولو أقام الزوج بينة على زناها لا يسقط عنها الحد باللعان فإن امتنعت من اللعان حدث عندهم خلافا لأبي حنيفة ح فإنه يقول : بل تحبس دائما ما لم تلاعن أو تصدقه فإن صدقته ارتفع سبب وجوب لعانها فلا لعان ولا حد لأن التصديق ليس بإقرار قصدا بالذات فلا يعتبر في وجوب الحد بل في درئه فيندفع به اللعان ولا يجب به الحد ولو كان إقرارا. . . فإلإقرارا مرة لا يوجب حد الزنى عند أبي حنيفة ح كما مر فيما سبق ولم يتعين أن المراد بالعذاب في قوله تعالى :( ويدرؤاو عنها العذاب( الحد لجواز أن يكون المراد به الحبس والحدود وتندرىء بالشبهات.
مسالة : ولو صدقت المراة الزوج في نفي الولد فلا حد ولا لعان عند أبي حنيفة رحمه الله وهو ولدهما لأن النسب إنما ينقطع حكما للعان ولم يوجد وهو حق الولد فلا يصدقان في إبطاله والله أعلم.
قلت : والعجب من الشافعي ومن معه أن اللعان عندهم يمين ولذا لا يشرطون في الرجل أهلية الشهادة ويجوزون اللعان من العبد والكافر والمحدود في القذف واليمين هو لا يصلح لإيجاب المال فكيف يوجب لعان الرجل عند امتناع المرأة عنه عليها الرجم وهو أغلظ الحدود، والعجب من أبي حنيفة رحمه الله أنه قال : اللعان شهادات ولذا اشترط في الرجل أهلية الشهادة وقال تكارا الشهادة في هذا المحل إنما شرع بدلا عما عجز عنه من إقامة شهود الزنى وهم أربعة وقد جعل الشارع شهادات الأربع مقام حد القذف في حقه ومقام حد الزنى في حقها فلم لم يقل بإيجاب حد الزنى عليها بشهاداته الأربع وقد قال الله تعالى :( ويدرؤوا عنها العذاب( والدرء لفظ خاص صريح في معنى السقوط والسقوط يقتضي الوجوب عند عدم موجبه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عذاب الله أشد من عذاب الناس " ١ يعني الحد، ولا معنى لكون اللعان في حقها قائما مقام حد الزنى إلا أنه إذا لاعنت سقط عنها الحد وإن امتنعت من اللعان وجب عليها الحد لا يقال أن شهادته وحده وإن كانت قائمة مقام شهادة أربعة من الرجال لكن لا يحصل به القطع بتحقق الزنى وفي قيام شهادته مقام شهاداتهم شبهة فيندرج بها القذف ولا يثبت بها حد الزنى لأنها يندرىء بالشبهات لأنا نقول لا شبهة في قيام شهاداته مقام شهاداتهم لثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع والقطع بتحقق الزنى كما لا يحصل بشهادته الأربع كذلك لا يحصل بشهادة أربعة من الرجال بجواز تواطئهم على الكذب والخبر لا يجوب القطع ما لم يبلغ درجة التواتر ويكون المخبر معصوما والحكم بعد شهادة رجلين أو أربعة أمر تعبدي ليس مبناه على القطع بل على غلبة الظن، وغلبة الظن ها هنا فوق غلبة الظن في شهادة أربعة من الرجال بواسطة تأكد شهاداته باليمين والتزام اللعنة مع كونه عدلا جائز الشهادة وبامتناع المرأة من اللعان ألا ترى أن توافق الأربعة على الكذب أقرب عند العقل من امتناع المرأة عن اللعان على تقدير كذب الزوج مع اعتقاداه بسقوط الرجم عنها ودفع العذاب باللعان والمراد بالشبهة التي تندرىء به الحد شبهة سوى هذه الشبهة التي لم يعتبرها الشرع من احتمال كذب الشهود الأربعة وكذب الزوج مع لعانه وامتناعها من اللعان فالراجح عندي في اشتراط أهلية الشهادة في الزوج وكون المرأة ممن يحد قاذفها قول أبي حنيفة ح، وفي وجوب حد الزنى بعد امتناع المرأة من اللاعن قول الشافعي ومن معه والله أعلم.
مسالة : قد مر فيما سبق أنه بلعان الرجل وحده يقع الفرقة بين الزوجين عند الشافعي وهذا أمر لا دليل عليه وقال زفر وبه قال مالك وهو رواية عن أحمد انه يقع الفرقة بتلاعنهما من غير قضاء القاضي وعند أبي حنيفة وصاحبيه وأحمد لا تقع بعد تلاعنهما حتى يفرق الحاكم بينهما ويجب على الحاكم تفريقهما والفرقة تطليقة بائنة عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف وزفر ومالك والشافعي وأحمد فرقه فسخ وجه قولهم جميعا أن بالتلاعن يثبت الحرمة المؤيدة كحرمة الرضاع كما في الصحيحين عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين " حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها قال : يا رسول الله مالي ؟ قال :" لا مال لك عن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد فأبعد لك منها " ٢ وما رواه أبو داود في حديث سهل بن سعد مضت السنة في الملاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا، وكذا روى الدارقطني عن علي وابن مسعود قال الحافظ ابن حجر وفي الباب عن علي وعمر وابن مسعود في مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة وروى أبو داود في حديث ابن عباس في آخر قصة هلال بن أمية أنه صلى الله عليه وسلم فرق بينهما وقضى بأن لا تارمي ولا ولدها، وفي الصحيحين عن ابن عمر " أن رجلا لاعن ارمأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرق بينهما وألحق الولد بأمه " ٣ وأصرح دليل على قول الجمهور أن الفرقة ليست فرقة طلاق ما أخرجه أبو داود في سننه عن ابن عباس في قصة هلال بن أمية أنه قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن ليس لها عليه قوت ولا سكنى من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق ولا متوفى عنها قالوا : إذا ثبت بعد التلاعن الحرمة المؤبدة فلا حاجة إلى تفريق القاضي وأيضا الحرمة المؤبدة تنافي النكاح كحرمة الرضاع فتنفسخ وقال أبو حنيفة إن ثبوت الحرمة لا يقتضي فسخ النكاح ألا ترى أنه بالظهار يثبت الحرمة ولا يفسخ النكاح غير أنه إذا ثبت الحرمة عجز الزوج عن الإمساك بالمعروف فيلزمه التسريح بالإحسان فإذا امتنع منه تاب القاضي منا به دفعا للظلم دل عليه ما رواه الشيخان في حديث سهل بن سعد أنه قال عويمر بعد ما تلاعنا كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" المتلاعنان إذا افترقا لا يجتمعان أبدا وقد طعن الشيخ أبو بكر الرازي في ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن قال صاحب التنقيح إسناده جيد ومفهوم شرطه يستلزم أنهما لا يفترقان بمجرد اللعان وهو حجة على الشافعي على مقتضى رأيه وما قال ابن عباس قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ليس لها قوت ولا سكنى من اجل أنهما يفترقان بغير طلاق فهذا زعم من ابن عباس وإنما المرفوع القضاء بعدم النفقة والسكنى.
قلت : الحرمة بعد التلاعن ثبتت بالإجماع أما عند الشافعي وزفر ومن معهما فظاهر وأما عند أبي حينفة فلأنه لولا الحرمة فلا وجه لتفريق النبي صلى الله عليه وسلم ولا موجب لقول أبي حنيفة ثم يفرق القاضي وهذه الحرمة ليست كحرمة الظهار لكونها منتهية بالكفارة بل هي حرمة مؤبدة كحرمة الرضاع ولاشك ان الحرمة المؤبدة تنافي النكاح بخلاف المؤقتة فينفسخ ولا يحتاج إلى قضاء القاضي بل عليه ما قال ابن هماما أنه يلزم على قول أبي يوسف أنه لا يتوقف على تفريق القاضي لأن الحرمة ثابتة قبله اتفاقا وقولهç امتنع عن الإمساك بالمعروف فينوب القاضي منابه في التسريح يقتضي أن يامر القاضي الزوج بعدا للعان أن يطلقها فغن امتنع من التطليق يفرق القاضي بينهما ولم يقل به أحد ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالتطليق وقول ابن عباس في حكم الرفع لكونه عالما بكيفية قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما قول عويمر فمحمول على عدم علمه بوقوع الفرقة باللعان ومفهوم الشرط وإن كان حجة عند الشافعي لكن بترك العمل به للقطع على ثبوت الحرمة المؤبدة، أو يقال معنى قوله " المتلاعنان إذا افرتقا لا يجتمعان أبدا " إذا افترقا من التلاعن أي فرغا كما قال أبو حنيفة في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم " المتباعان بالخيار ما لم يتفرقا " حيث قال المراد بالتفرق تفرق الأقوال.
مسالة : إذا أكذب الزوج نفسه بعد التلاعن هل يجوز له أن يتزوجها ؟ قال الشافعي ومالك واحمد إذا أكذب نفسه يقبل ذلك فيما عليه لا فيما له فيلزمه حد القذف ويلحقه الولد ولا يترفع التحريم المؤبد فلا يجوز له التزوج، وقال أبو حنيفة وهو رواية عن أحمد أنه جلد وجاز له أن يتزوجها لأنه لما حد لم يبق أهلا للعان فارتفع حكمه المنوط به وكذلك أن قذف غيرها فحد بهن وكذا إذا زنت فحدت لانتفاء أهلية اللعان من جهتها قلنا ك زوال أهلية اللعان لا يقتضي نفي اللعان من أصله ألا ترى أنه من قذف غيره فحد حد القذف ثم زنى المقذوف وحد حد الزنى لا يقبل شهادة القاذف بعد ذلك مع زوال اهلية المقذوف لأنه يحد قاذفه قالت الحنيفة معنى قوله صلى الله عليه وسلم " المتلاعنان لا يجتمعان أبدا " لا يجتمعان ما داما متلاعنين كما هو مفهوم العرفية قلنا : معنى العرفية لا يتصور إلا إذا كان العنونا وصفا قارا والتلاعن وصف غير قار فلا يمكن الحكمم بشرط الوصف بل المراد اللذان صدر منهما اللعان في وقت من الأوقات لا يجتمعان بعد ذلك أبدا، والقول بأن معنى الحديث لا يجتمعان ما داما هما على تكاذبهما مصاورة على المطلوب والله أعلم.
مسألة : ولو كان القذف بنفي الولد نفى القاضي نسبه عنه وألحق بأمه ويتضمنه القضاء بالتفريق عند من يشترط له القضاء ويقول في اللعان أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتك به من نفي الولد وكذا في جانب المرأة، ولو قذفها بالزنى ونفي الولد ذكر في اللعان أمرين ثم ينفي القاضي نسب الولد ويلحقه بأمه لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين الرجل وامرأته فانتفى من ولدها ففرق بينهما وألحق الولد بالمرأة٤ متفق عليه.
مسألة : وإذا قال الزوج ليس حملك مني فلا لعان عند أبي حنيفة وزفر وأحمد لعدم تيقن الحمل عند نفيه فلم يصر قاذفا وقال مالك والشافعي يلاعن لنفي الحمل وقال أبو يوسف ومحمد إذا جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر وجب اللعان ومقتضى هذا القول أنه يؤخر الأمر إلى أن تلد فإن ولدت لأقل من ستة أشهر وجب اللعان وإلا فلا وقد ورد في بعض طرق قصة هلال ما يدل على أن اللعان كأن بعد الولادة روى الشيخان في في الصحيحين عن ابن عباس في قصة هلال فقال صلى الله عليه وسلم اللهم بين ووضعت شبيها بالذي ذكر زوجها أنه وجد عند اهله فلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه قول مالك والشافعي أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين هلال وزوجته وقضى أن لا يدعي ولدها لأب ولا ترمى ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، قال عكرمة وكان ولدها بعد ذلك أميرا على مصر وما يدعى لأب وهذا لفظ أبي داود في أكثر الطرق أن امرأة هلال كانت حاملا حين لاعنت، وروى النسائي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وامرأته وكانت حبلى وأخرج عبد الرزاق هكذا أيضا وقال زوجها ما قربتها منذ عفار النخل وعفار النخل أنها لا تسقى بعد الآبار شهرين فقال صلى الله عليه وسلم " اللهم بين " فجاءت بولد على الوجه المكروه وبهذا يظهر جواز اللعان بنفي الحمل وأجيب بأن ا
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الطلاق، باب: قوله الإمام للمتلاعنين "إن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب (٥٠٠٠٦) وأخرجه مسلم في أول كتاب اللعان (١٤٩٣)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: اللعان (١٤٩٤)..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الطلاق، باب: يلحق الولد بالملاعنة (٥٣١٥) وأخرجه مسلم في كتاب: اللعان (١٤٩٤)..
التفسير المظهري
المظهري